سوق الإسكان البريطاني بين ضرائب جديدة وزخم متراجع
أظهر تقرير جديد صادر عن **المعهد الملكي للمسّاحين القانونيين في بريطانيا (RICS)** أن سوق الإسكان في المملكة المتحدة واصل مسار الضعف خلال نوفمبر، مع تراجع واضح في كلٍّ من المبيعات المتفق عليها واستفسارات المشترين المحتملين.
يشير التقرير إلى أن **أسعار المنازل في لندن كانت الأكثر تضررًا** من التدابير الضريبية التي أعلنتها الحكومة البريطانية ضمن الموازنة الأخيرة، والتي استهدفت بشكل خاص الشريحة العليا من السوق العقارية.
## تراجع حاد في استفسارات المشترين
سجّل مؤشر **استفسارات المشترين الجدد** على مستوى المملكة المتحدة في نوفمبر صافي رصيد بلغ **سالب 32%**، مقارنة بـ **سالب 24%** في أكتوبر، ما يعني أن عدد وكلاء العقارات الذين أبلغوا عن انخفاض في الاستفسارات فاق بكثير عدد من قالوا إن الاستفسارات ارتفعت.
هذا المستوى يُعد الأضعف منذ أواخر 2023، ويعكس حالة من الحذر والانتظار لدى المشترين في ظل بيئة تمويلية صعبة وتكاليف اقتراض مرتفعة.
## المبيعات المتفق عليها تواصل الهبوط
بالنسبة إلى **المبيعات المتفق عليها (Agreed Sales)**، سجّل نوفمبر صافي رصيد عند **سالب 23%**، بتحسّن طفيف رقميًا عن **سالب 24%** في أكتوبر، لكنه يظل في نطاق يؤكد أن نشاط المبيعات يتحرك في اتجاه هابط مستمر.
بمعنى أدق، ورغم التحسّن البسيط في القراءة الشهرية، فإن المزاج العام في السوق ما يزال ضعيفًا، مع انخفاض واضح في عدد الصفقات الجديدة.
## لندن: الخاسر الأكبر بسبب ضريبة العقارات الفاخرة
في لندن كان التراجع أكثر حدة؛ إذ هبط صافي رصيد النشاط إلى **سالب 44%**، وهو مستوى أكثر سلبية من أي منطقة أخرى في المملكة المتحدة.
يربط تقرير RICS هذا الهبوط بإعلان الحكومة عن **رسوم إضافية على ضريبة المجلس (Council Tax) للعقارات ذات القيم المرتفعة**، بما يشبه “ضريبة عقارية على المنازل الفاخرة”.
هذه الرسوم الإضافية ستُطبَّق ابتداءً من **أبريل 2028**، لكن التقييم الذي ستُبنى عليه سيكون وفق **قيمة العقار في عام 2026**.
وستشمل **ملاك العقارات السكنية في إنجلترا التي تبلغ قيمتها 2 مليون جنيه إسترليني أو أكثر**، مع فرض **رسم سنوي متكرر** يتراوح بين **2,500 و7,500 جنيه إسترليني** بحسب قيمة العقار.
هذه السياسة تستهدف مباشرة **سوق المنازل الفاخرة**، وهو ما يفسّر تراجع الطلب والمبيعات في الشريحة التي تفوق قيمتها مليوني جنيه إسترليني.
## توقعات قصيرة الأجل: ركود أكثر من انهيار
على مستوى **توقعات المبيعات في الأجل القصير** بجميع أنحاء المملكة المتحدة، سجّل صافي الرصيد في نوفمبر **سالب 6%** مقابل **سالب 3%** في أكتوبر.
هذه القراءة تعكس نظرة أقرب إلى **الاستقرار المائل للركود** خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، لا إلى انهيار حاد؛ أي أن النشاط متوقع أن يبقى ضعيفًا، لكن من دون صدمة كبرى جديدة في الأفق القريب.
## سوق الإيجارات: طلب يهدأ… لكن الأسعار تحت ضغط
في سوق الإيجار، أظهر التقرير أن **طلب المستأجرين بدأ يهدأ نسبيًا**، بينما بقيت **تعليمات الملاك (العروض المتاحة للإيجار)** عند مستويات منخفضة مقلقة.
صافي رصيد **تعليمات الملاك** بلغ في نوفمبر **سالب 39%**، ما يعني أن عددًا أكبر بكثير من المشاركين في الاستطلاع أبلغوا عن تراجع المعروض من العقارات المعروضة للإيجار.
عدد من المستجيبين حذّروا من أن **الضريبة الجديدة على الدخل من العقارات**، المعلن عنها في الموازنة، قد تدفع بمزيد من الملاك إلى الخروج من السوق أو تقليص المعروض، ما يضغط على سوق الإيجار أكثر.
في الوقت نفسه، تُظهر بيانات رسمية أن **الإيجارات في المملكة المتحدة لا تزال في مسار صعودي سنوي**؛ إذ بلغ متوسط الإيجار الشهري في أكتوبر 2025 نحو **1,360 جنيهًا إسترلينيًا**، بزيادة سنوية قدرها **5%**، مع بقاء لندن في الصدارة بمتوسط **2,265 جنيهًا شهريًا**.
ورغم تباطؤ وتيرة الارتفاع مؤخرًا، فإن نقص المعروض من عقارات الإيجار يواصل دفع الأسعار إلى أعلى.
## تعليق كبير اقتصاديي RICS: المشكلة في الزخم
يرى **سايمون روبنزوهن**، كبير الاقتصاديين في RICS، أن **سوق الإسكان تعاني من نقص في الزخم منذ عدة أشهر**، وأن **إعلانات الموازنة الأخيرة لن تغيّر الصورة جذريًا على المدى القريب**.
يوضح روبنزوهن أن انتهاء حالة عدم اليقين المرتبطة بالموازنة عنصر إيجابي، لكنه يؤكد أن **ضعف القدرة على تحمّل تكاليف الشراء وارتفاع تكلفة الاقتراض** سيبقيان نشاط السوق عند مستويات متواضعة في الأجل القريب.
في المقابل، تبدو **آفاق الاثني عشر شهرًا المقبلة أكثر إشراقًا نسبيًا**، مع تزايد التوقعات بأن **بنك إنجلترا قد يمتلك حيزًا أكبر لخفض أسعار الفائدة خلال العام المقبل**، ما قد يخفّف عبء أقساط الرهن العقاري ويُنعش القدرة على الاقتراض.
## سوق الإيجارات: عرض شحيح وتوقعات مرتفعة
بالنسبة لسوق التأجير، يرى روبنزوهن أنه **رغم تراجع الطلب من المستأجرين بشكل طفيف، فإن النقص في المعروض من العقارات المؤجَّرة ما زال يدعم توقّعات بقاء الإيجارات عند مستويات مرتفعة**.
ويضيف أن **الضرائب الإضافية على الملاك** ضمن الموازنة الجديدة مرشحة لتفاقم هذا الاتجاه، عبر دفع بعضهم إلى تقليص استثماراتهم في الإيجار أو الخروج من السوق، ما يعني استمرار الضغط على المستأجرين.
## سياق أوسع: صورة سوق الإسكان البريطاني
تتوافق نتائج RICS مع بيانات أخرى ترسم لوحة أكثر شمولاً:
- **أسعار المنازل على المستوى الوطني ما زالت أعلى من العام الماضي لكن بوتيرة نمو أبطأ بكثير**، مع وصول متوسط السعر إلى نحو **272 ألف جنيه إسترليني** في سبتمبر 2025، بزيادة سنوية معتدلة.
- **لندن هي الحلقة الأضعف من حيث نمو الأسعار**، مسجّلة انخفاضًا سنويًا بنحو **1.8%**، ما يعكس حساسية السوق اللندنية لأي تغييرات ضريبية أو اضطرابات سياسية واقتصادية.
- تقارير منصات العقار الكبرى تشير إلى أن **الحديث عن ضرائب جديدة على العقارات ذات القيمة العالية، إلى جانب ارتفاع المعروض من المنازل المعروضة للبيع، يدفع العديد من المشترين المحتملين إلى تبنّي استراتيجية “الانتظار والترقّب”**، ما يضغط على الأسعار ويجبر البائعين، خاصة في الشريحة العليا، على تقديم تخفيضات أكبر في طلبات الأسعار.
في المحصلة، نحن أمام **سوق متعبة من شهور من الضغوط**:
- لا تنهار، لكنها تتحرك ببطء،
- يميل التوازن فيها لصالح المشترين في بعض المناطق،
- بينما يظل المستأجرون تحت ضغط الإيجارات المرتفعة ونقص المعروض.