سوق الإسكان البريطاني يواصل التباطؤ في نوفمبر: قراءة موسعة في أرقام RICS وتأثير الضرائب الجديدة

شهد سوق الإسكان في المملكة المتحدة خلال شهر نوفمبر حالة واضحة من الفتور، مع استمرار تباطؤ النشاط سواء من جانب المشترين أو البائعين، وفقاً لبيانات المعهد الملكي للمساحين المعتمدين RICS كما نقلتها وكالة Alliance News. هذه الأرقام تأتي في لحظة حساسة يترقب فيها السوق آثار الميزانية البريطانية الجديدة وما تحمله من ضرائب إضافية على العقارات مرتفعة القيمة. في هذه التدوينة سنغوص أعمق في مضمون الأرقام، ونحاول رسم صورة أشمل لما يجري في سوق البيع والإيجار، ولماذا تبدو لندن في قلب العاصفة، وما الذي يمكن أن يحدث خلال الأشهر الـ12 المقبلة. ### أولاً: استفسارات المشترين تتراجع… والمؤشر يصل لأضعف مستوى منذ 2023 يُعدّ مؤشر **استفسارات المشترين الجدد** أحد أوضح مقاييس شهية السوق نحو الشراء، لأنه يرصد عدد الأشخاص الذين يطرقون أبواب الوكلاء ويسألون فعلياً عن عقارات للشراء. في نوفمبر سجّل هذا المؤشر رصيداً صافياً يبلغ **-32%** على مستوى المملكة المتحدة، مقارنةً بـ **-24% في أكتوبر**. معنى ذلك ببساطة أن: - غالبية المهنيين المشاركين في الاستطلاع أبلغوا عن **تراجع في عدد الاستفسارات** الواردة من المشترين المحتملين. - عدد من يقول إن الطلب ينخفض يفوق بوضوح عدد من يرى أنه يرتفع. هذه القراءة عند مستوى **-32%** هي الأضعف منذ أواخر 2023، ما يعكس حالة حذر شديدة لدى الأسر والمستثمرين، في ظل: - أسعار فائدة ما تزال مرتفعة مقارنة بسنوات “المال الرخيص”، - وغموض ضريبي وسياسي سبق وأحاط بميزانية الحكومة الأخيرة. هكذا يتحوّل كثير من المشترين من “مستعدّ للشراء الآن” إلى “لننتظر قليلاً ونرى”. ### ثانياً: المبيعات المتفق عليها… تباطؤ لا انهيار على صعيد **المبيعات المتفق عليها** (Agreed Sales)، أظهرت بيانات RICS أن شهر نوفمبر سجّل رصيداً صافياً عند **-23%**، مقابل **-24% في أكتوبر**. يمكن قراءة هذا الرقم على النحو الآتي: - السوق ما زال يتحرّك، لكن ببطء. - هناك عدد أكبر من المشاركين الذين يشيرون إلى **انخفاض الصفقات** مقارنة بمن يلاحظون زيادة. التحسّن “الهامشي” من -24% إلى -23% لا يكفي للقول إن السوق يتعافى، لكنه يوحي بأننا أمام **تباطؤ ممتد** أكثر من كونه صدمة حادّة. الأسعار في كثير من المؤشرات الأخرى تبدو “مستقرة أو شبه مستقرة”، لكن **حجم النشاط** هو الذي يعاني. ### ثالثاً: لندن تحت الضغط… عندما تضرب الضرائب الشريحة الفاخرة إذا كان تباطؤ السوق مفهوماً على المستوى الوطني، فإن **وضع لندن** يستحق وقفة خاصة. العاصمة البريطانية لطالما كانت “قلب” سوق العقار البريطاني، ووجهة للأموال الدولية، وساحة العقارات الفاخرة… واليوم هي أيضاً أكثر المناطق تأثراً بالضرائب الجديدة. بحسب بيانات RICS: - سجّلت لندن **رصيداً صافياً يبلغ -44%** في مؤشرات أسعار المنازل. - هذه القراءة هي **الأكثر سلبية بين جميع مناطق المملكة المتحدة** حالياً. السبب الرئيس الذي يشير إليه التقرير يتمثل في **الرسوم الإضافية على ضريبة المجلس (Council Tax) للممتلكات ذات القيمة العالية**، وهي أقرب ما تكون إلى “ضريبة سنوية على القصور” تستهدف العقارات التي تتجاوز قيمتها عتبة معينة. وفق ما ورد في الخبر، تقضي الترتيبات الضريبية الجديدة بأن: - تُفرض **رسوم سنوية متكررة** على أصحاب العقارات السكنية في إنجلترا الذين يمتلكون عقاراً تبلغ قيمته **2 مليون جنيه إسترليني أو أكثر** بحلول عام 2026. - يدخل هذا الرسم حيّز التنفيذ في **أبريل 2028**. - تتراوح قيمته السنوية بين **2,500 و7,500 جنيه إسترليني** تقريباً، وفقاً لقيمة العقار. هذه السياسة تُصوَّر إعلامياً على أنها تستهدف “الأثرياء” في المقام الأول، لكنها عملياً: - تضغط على **سيولة قطاع العقارات الفاخرة**، - وتدفع جزءاً من المشترين المحتملين – وخاصة المستثمرين الدوليين أو أصحاب المحافظ الكبيرة – إلى إعادة التفكير في جدوى شراء عقار فاخر في لندن في هذا التوقيت. النتيجة: سوق القمة (High-end market) في لندن يتحرك على أرض أكثر هشاشة، ومع كل خبر ضريبي جديد يزداد الحذر. ### رابعاً: توقعات الأشهر الثلاثة المقبلة… ركود في النشاط أكثر من كونه أزمة أسعار على مستوى **توقعات المبيعات قصيرة الأجل** (الأشهر الثلاثة المقبلة)، سجّل تقرير RICS رصيداً صافياً عند **-6% في نوفمبر**، مقابل **-3% في أكتوبر**. هذا يعني أن: - المزاج العام يميل قليلاً إلى السلبية، - لكننا لسنا أمام ترقّب لانهيار، بل أقرب إلى صورة **“سوق مسطّح، ضعيف الحركة”**. RICS وصف هذه النظرة بأنها منسجمة مع **سوق لا يرتفع بقوة ولا ينهار**؛ مجرد حالة “ركود نشاط” أو “جمود نسبي”، يتردد فيها المشترون، ويتأنّى فيها البائعون، وتتحرك فيها الصفقات بوتيرة أبطأ من المعتاد. ### خامساً: سوق الإيجارات… طلب يلين، لكن نقص المعروض يشدّ الأسعار إلى الأعلى إذا انتقلنا إلى **سوق الإيجار**، تصبح الصورة أكثر تعقيداً: - تشير بيانات RICS إلى أن **الطلب من المستأجرين بدأ يهدأ قليلاً**، أي أن وتيرة زيادة الطلب ليست بالحدة نفسها التي رأيناها في الفترات السابقة. - مع ذلك، يظل **عرض الوحدات المتاحة للإيجار محدوداً**، وهو ما يبقي **توقعات الإيجارات في مسار صعودي**. واحدة من أهم الإشارات هنا هي: - مؤشر **تعليمات الملاك (Landlord Instructions)** سجّل **-39% في نوفمبر**. هذا الرقم الحاد يعني أن: - عدداً متزايداً من المهنيين في السوق يلاحظ **تناقصاً في عدد الملاك الذين يطرحون عقارات جديدة للإيجار** عبر الوكلاء. - أي أن **المعروض الجديد يتقلّص**، بينما يظل الطلب عند مستويات مرتفعة نسبياً، حتى لو كان قد هدأ قليلاً. عندما يتراجع المعروض في سوق إيجار أصلاً يعاني من ضغط الطلب، تكون النتيجة شبه حتمية: **استمرار ارتفاع الإيجارات** أو على الأقل بقاؤها عند مستويات مرتفعة جداً مقارنة بالدخل. ### سادساً: الضرائب الجديدة على دخل الإيجار… هل يخرج بعض الملاك من اللعبة؟ أفاد المشاركون في استطلاع RICS بأن جزءاً من عزوف الملاك عن طرح وحدات جديدة للإيجار يرتبط بـ **الضريبة الجديدة على دخل الإيجار العقاري** أو التعديلات غير المواتية في معاملة دخل الإيجار. العواقب المتوقعة لهذه السياسات: - **تراجع العائد الصافي** للمستثمرين الأفراد والصغار، بعد خصم الضرائب الإضافية. - دفع بعض الملاك إلى: - بيع جزء من محافظهم بدل الاحتفاظ بها للإيجار، - أو تأجيل الدخول إلى سوق الإيجار من الأساس، - أو تجميد خطط التوسع. بمرور الوقت، يمكن أن يترجم ذلك إلى **نقص أكبر في المعروض**، وبالتالي إلى **ضغوط تصاعدية مستمرة على الإيجارات**، خصوصاً في المدن الكبرى ذات الكثافة العالية مثل لندن ومانشستر. ### سابعاً: رؤية كبير اقتصاديي RICS… المشكلة أعمق من ضجيج الميزانية في تعليقه على المشهد، شدّد **سايمون روبنزهون**، كبير الاقتصاديين في RICS، على أن: - سوق الإسكان يعاني من **نقص في الزخم منذ عدة أشهر**، - وأن الميزانية الأخيرة، رغم ضجيجها الإعلامي، **لن تغيّر جذرياً صورة السوق في المدى القريب**. النقطتان الأساسيتان في تحليله: 1. **زوال حالة عدم اليقين المرتبطة بالميزانية** مفيد دائماً، لأن الأسواق تكره الغموض. 2. لكن **العوامل الهيكلية** التي تكبّل السوق لا تزال قائمة، وأهمها: - ضعف القدرة على تحمّل تكاليف الشراء (Affordability)، مع ارتفاع الأسعار نسبة إلى الدخول، - استمرار **تكلفة الاقتراض** عند مستويات أعلى مما اعتاد عليه السوق خلال عقد “الفائدة الصفرية”. بمعنى آخر: حتى لو هدأ الجدل حول الميزانية، فإن **القيود الأساسية على الطلب الحقيقي** – الأجور، الأسعار، الفائدة – ما زالت تعمل بكامل طاقتها. ### ثامناً: أفق 12 شهراً… أمل حذر في دور السياسة النقدية على الرغم من قتامة الصورة في المدى القصير، فإن التقرير يلمّح إلى قدر من التفاؤل النسبي في **أفق 12 شهراً**. السبب هو تصاعد الرهان على أن: - **بنك إنجلترا** سيجد خلال العام المقبل **مساحة أكبر لخفض أسعار الفائدة**. - خفض الفائدة يعني: - تراجع تكلفة الرهن العقاري، - تحسّن القدرة الشرائية لفئات أوسع من المشترين، - عودة بعض الثقة والحيوية إلى السوق، ولو تدريجياً. بهذا المعنى، يمكن وصف الصورة الحالية بأنها: - **حاضر رمادي** يتسم بالتباطؤ والتردد، - مقابل **مستقبل قصير إلى متوسط الأجل** يبدو أقل قتامة، إذا تحققت التوقعات بشأن التضخم والفائدة. ### تاسعاً: سوق الإيجار من جديد… لماذا قد تستمر الإيجارات في الصعود رغم “لين” الطلب؟ في تعقيبه على **سوق الإيجار**، لفت روبنزهون إلى أن: - الطلب من المستأجرين بالفعل يُظهر علامات على **التليّن** مقارنة بالموجات السابقة من الارتفاعات الحادة. - لكن **نقص المعروض** هو العامل الحاسم الذي يواصل دفع الإيجارات إلى الأعلى. إضافة الضرائب الجديدة على الملاك تضيف “طبقة ضغط” أخرى: - فهي تزيد كلفة الاحتفاظ بعقار مؤجَّر، - وتدفع البعض إلى الخروج من السوق أو تقليص حجم محافظهم، - ما يعني **مزيداً من الضغط على المعروض**، وبالتالي **استمرار موجة غلاء الإيجارات**، حتى لو لم يعد الطلب “منفلتاً” كما كان. هذا المزيج – طلب مرتفع نسبياً، عرض محدود، ضرائب إضافية – هو وصفة كلاسيكية لأزمة سكن، يشعر بها أولاً: - الشباب الباحثون عن سكن بأسعار معقولة، - والأسر ذات الدخل المتوسط والمنخفض في المدن الكبرى. ### عاشراً: الخلاصة العامة للصورة التي يرسمها تقرير RICS إذا جمعنا كل الخيوط التي يعرضها تقرير RICS كما نقلته Alliance News، نحصل على لوحة متكاملة تقريباً لما يجري في سوق العقار البريطاني اليوم: - **في سوق البيع:** - تراجع واضح في استفسارات الشراء والصفقات المتفق عليها. - لندن في قلب العاصفة بسبب الضرائب على العقارات مرتفعة القيمة، مع قراءة سلبية غير مسبوقة مقارنة بالمناطق الأخرى. - الأشهر الثلاثة المقبلة مرشحة لسيناريو أقرب إلى **ركود النشاط** منه إلى انتعاش أو انهيار سعري شامل. - **في سوق الإيجار:** - الطلب يلين نسبياً لكنه يظل قوياً بما يكفي للحفاظ على ضغط صعودي على الأسعار. - المعروض الجديد من الوحدات المؤجرة يتراجع، والملاك أقل حماساً لدخول السوق أو التوسع فيه. - الضرائب الجديدة على دخل الإيجار تهدد بمفاقمة اختلال التوازن بين العرض والطلب، ما يعني **إيجارات أعلى على المدى المتوسط**. - **في أفق العام المقبل تقريباً:** - حذر مستمر في المدى القصير، مع سوق بطيء الحركة، متعب من الفائدة المرتفعة والضرائب الجديدة. - بعض التفاؤل الحذر في أفق 12 شهراً، معوَّل أساساً على **إمكانية خفض أسعار الفائدة** من جانب بنك إنجلترا، وعودة جزء من القدرة على تحمّل تكاليف السكن. هكذا يبدو سوق الإسكان البريطاني اليوم: ليس في حالة انهيار، لكنه بعيد تماماً عن الحيوية، ويقف عند تقاطع حساس بين قرارات السياسة الضريبية والنقدية، وبين قدرة الناس الفعلية على تحمّل تكلفة “سقف فوق رؤوسهم” في واحدة من أغلى أسواق العقار في العالم.