آسيا النامية 2025–2026: نمو قوي تحت حصار المخاطر
قال بنك التنمية الآسيوي، في بيان صادر من مانيلا، إن تحسّن الطلب العالمي على منتجات الاقتصادات الآسيوية عالية التقنية، إلى جانب النمو الأسرع من المتوقع في الهند، قد حسّن بصورة واضحة آفاق النمو في آسيا النامية ودول المحيط الهادئ خلال العامين المقبلين.
في تحديثه لتقرير «آفاق التنمية الآسيوية»، أوضح البنك أن معدل النمو في 2025 يُتوقَّع الآن أن يبلغ 5.1%، ارتفاعًا عن التقديرات السابقة، مع رفع توقعات نمو 2026 إلى 4.6%. ويعزو التقرير هذه المراجعات الإيجابية إلى تعافي الطلب على الإلكترونيات والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى زخم أقوى في الاقتصاد الهندي.
يشمل تعريف «المنطقة» في التقرير 46 اقتصادًا ناميًا في آسيا والمحيط الهادئ، تمتد من الصين والهند إلى جورجيا وساموا، مع استبعاد الاقتصادات المتقدمة في شرق آسيا وأوقيانوسيا، مثل اليابان وأستراليا ونيوزيلندا، التي لا تُحتسب ضمن «آسيا النامية» في منهجية البنك.
ورغم توقع تباطؤ نسبي في وتيرة النمو الإقليمي العام المقبل، يشير بنك التنمية الآسيوي إلى أن قوة الصادرات – المدعومة بدورة انتعاش في قطاع الذكاء الاصطناعي والإلكترونيات – ستُبقي النشاط الاقتصادي متماسكًا، خصوصًا مع تراجع درجة عدم اليقين بشأن التجارة الدولية مقارنة بالفترات السابقة.
مع ذلك، يحذّر البنك من أن مخاطر الهبوط لا تزال كبيرة؛ إذ يمكن لأي جولات جديدة من تصعيد الرسوم الجمركية أو الغموض في السياسات التجارية، إلى جانب احتمالات تزايد تقلبات الأسواق المالية العالمية، أن تضغط على التوقعات المستقبلية للنمو في المنطقة.
على مستوى الأقاليم الفرعية، يشير التحديث إلى تحسّن ملحوظ في التوقعات الخاصة بجنوب آسيا، حيث يُنتظر أن يسجل الإقليم نموًا قدره 6.5% خلال هذا العام، مدفوعًا على نحو خاص بأداء الهند، التي تجاوزت التقديرات السابقة بتحقيق نمو قوي في الربع الثاني من سنتها المالية، ما عزّز متوسط النمو في جنوب آسيا ككل.
أما جنوب شرق آسيا، فيتوقع بنك التنمية الآسيوي أن يحقق نموًا بنحو 4.5% هذا العام، مع تحسّن طفيف إضافي ليصل إلى قرابة 4.4% في 2026. ورغم هذا المسار الإيجابي، تبقى المنطقة عرضة لمجموعة واسعة من المخاطر، من بينها استمرار حالة عدم اليقين في الاقتصاد العالمي، والاضطرابات المناخية كالفيضانات والأعاصير وموجات الجفاف، إضافة إلى التطورات السياسية الداخلية التي قد تُبطئ وتيرة الإصلاحات والاستثمارات.
وقد كشفت الأحداث الأخيرة عن هشاشة البنية الاقتصادية في بعض هذه الدول؛ إذ شهدت أواخر نوفمبر موجة فيضانات عنيفة في إندونيسيا وتايلاند وماليزيا، أدت إلى مئات الضحايا وتشريد الملايين، وألحقت أضرارًا واسعة بالبنية التحتية والأنشطة الاقتصادية، خاصة في المناطق الزراعية والصناعية.
في الوقت نفسه، عاد التوتر العسكري بين تايلاند وكمبوديا إلى الواجهة مع تسجيل اشتباكات حدودية جديدة وغارات جوية، ما أدى فعليًا إلى انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش، وهو ما يضيف طبقة جديدة من المخاطر الجيوسياسية التي قد تؤثر سلبًا في الاستثمارات والتجارة عبر الحدود في منطقة ميكونغ الأوسع.
بالانتقال إلى الصين، يلفت التقرير إلى أن توقعات نمو 2025 ارتفعت قليلًا إلى 4.8%، لكنها تظل دون الهدف الرسمي لبكين البالغ 5.0%، في حين تم الإبقاء على توقع نمو 2026 عند 4.3%. ويعكس ذلك استمرار التحديات البنيوية التي يواجهها الاقتصاد الصيني، وعلى رأسها ضعف قطاع العقارات.
يشدد بنك التنمية الآسيوي على أن الركود المستمر في سوق الإسكان والتطوير العقاري في الصين يواصل الضغط على النشاط الاقتصادي؛ إذ تتراجع استثمارات العقارات بوتيرة حادة، ما يؤثر سلبًا في إجمالي الاستثمار في الأصول الثابتة، ويمتد أثره إلى تباطؤ الاستثمار في البنية التحتية والقطاع الصناعي على حد سواء.
على صعيد الأسعار، يتوقع البنك أن يتراجع معدل التضخم في آسيا النامية إلى 1.6% في 2025، على أن يرتفع مجددًا إلى 2.1% في 2026. ويعكس هذا المسار استمرار تأثير انخفاض نسبي في أسعار الغذاء والطاقة، إلى جانب الأثر المتأخر لسياسات التشديد النقدي التي اتبعتها بنوك مركزية عديدة في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
في المجمل، يرسم آخر تحديث لبنك التنمية الآسيوي صورة تقول إن آسيا النامية لا تزال تمثل نقطة مضيئة نسبيًا في الاقتصاد العالمي، مع تحسّن في التوقعات الكلية للنمو لعامي 2025 و2026، مدعومًا بالطلب العالمي على الإلكترونيات والتقنيات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وبأداء لافت للهند يرفع متوسط النمو في جنوب آسيا. في المقابل، تظل هذه الآفاق الإيجابية محاطة بحزام كثيف من المخاطر: من الحروب التجارية والرسوم المتبادلة، إلى التوترات الجيوسياسية، مرورًا بضعف سوق العقارات في الصين والهشاشة أمام الصدمات المناخية، ما يجعل مسار النمو في المنطقة قابلًا للتأثر السريع بأي صدمة خارجية أو داخلية جديدة.