إحياء عصر الطروحات الأولية للعملات الرقمية: رؤية جديدة من رئيس لجنة الأوراق المالية الأمريكية
شهدت صناعة العملات الرقمية تحولاً جذرياً في موقف السلطات التنظيمية الأمريكية. خلال الفترة الذهبية للعملات الرقمية عام 2017، كانت الطروحات الأولية للعملات (ICOs) آلية تمويل مزدهرة للشركات الناشئة في مجال البلوكتشين، قبل أن توقفها موجة دعاوى من لجنة الأوراق المالية والبورصة الأمريكية (SEC) بدعوى بيع أوراق مالية غير مسجلة، ما أدخل هذا القطاع في حالة جمود وعزل عن الأسواق الأمريكية الشرعية.
اليوم، يشير الموقف الجديد لرئيس لجنة الأوراق المالية **بول أتكينز** إلى احتمال إحياء حقيقي للطروحات الأولية للعملات في الولايات المتحدة، من خلال استخدام الصلاحيات القائمة بدلاً من انتظار تشريع شامل جديد، وهو ما يفتح الباب أمام نمو منظم للأصول الرقمية ضمن هيكل أكثر وضوحاً.
## تصنيف جديد للعملات الرقمية: أربع فئات رئيسية
أعلن أتكينز عن إطار تصنيفي جديد للأصول الرقمية يقسمها إلى أربع فئات رئيسية ضمن مبادرة تنظيمية أوسع، مع تأكيد واضح على أن الأصل الرقمي لا يُفترض أن يبقى ورقة مالية إلى الأبد، بل يمكن أن تتغير طبيعته مع نضج الشبكة وبلوغها درجة كافية من اللامركزية.
**ثلاث فئات لا تُعامل كأوراق مالية:**
- **العملات الشبكية (Network / Digital Commodity Tokens)**
وهي الرموز المرتبطة مباشرة بشبكات بلوكتشين لامركزية وتوفر وظائف أساسية لتشغيل هذه الشبكات، مثل رسوم المعاملات، تأمين الشبكة أو المشاركة في آليات الإجماع. تركيزها وظيفي وتقني أكثر من كونه استثماري بحت.
- **التحف الرقمية (Digital Collectibles)**
وتشمل الرموز المرتبطة بالميمات، الروابط، الشخصيات، الأحداث الجارية والاتجاهات الثقافية، أقرب إلى المقتنيات الرقمية ذات القيمة الثقافية والاجتماعية (مشابهة لـ NFTs ذات طابع جمعي) أكثر من كونها أدوات استثمار مالي تقليدية.
- **الأدوات الرقمية (Digital Utility Tokens)**
وهي الرموز التي تمثل حق استخدام أو وصول إلى خدمة أو منتج أو عضوية، مثل التذاكر الرقمية، أرصدة الاستخدام، أو مفاتيح الوصول إلى منصات معينة، بحيث يكون جوهرها وظيفة الاستفادة من خدمة، لا المراهنة على ربح رأسمالي مستقبلي.
أما الفئة الرابعة فهي الوحيدة التي تبقى تحت إشراف مباشر من لجنة الأوراق المالية:
- **العملات / الأوراق المالية المُمَثَّلة رقمياً (Tokenized Securities)**
وهي تمثيل رقمي لأوراق مالية تقليدية (أسهم، سندات، وحدات صناديق…) يتم تداولها على السلسلة، أو رموز تم بناؤها لتجسيد حقوق مالية واضحة (مثل توزيعات أرباح أو عوائد دين) تخضع بطبيعتها لقوانين الأوراق المالية.
## إعادة توزيع الاختصاص التنظيمي
يؤدي هذا التصنيف إلى إعادة رسم خريطة الصلاحيات بين الهيئات التنظيمية في الولايات المتحدة:
- الرموز الثلاثة غير المصنفة كأوراق مالية (الشبكية، التحف، الأدوات) ستندرج بالأساس ضمن نطاق **لجنة تداول العقود الآجلة للسلع (CFTC)**، أو أطر تنظيمية على مستوى الولايات، مع نهج عادةً أقل صرامة وأكثر مرونة من SEC.
- لجنة الأوراق المالية ستركز طاقتها على **الأوراق المالية المرمّزة** وكل ما يحمل خصائص العقد الاستثماري التقليدي، مع تبسيط عملية التسجيل والترخيص لهذه الفئة لتسهيل طرحها وتداولها على البلوكتشين ضمن نظام واضح.
بهذا، يتم عملياً رفع الكثير من الطروحات الأولية السابقة – التي تدور حول رموز استخدام أو مقتنيات أو أصول شبكية لامركزية – من خانة “الورقة المالية” الخاضعة للتنظيم الأشد، ما يخفف أعباء الامتثال ويسمح بعودة نماذج تمويل كانت شبه مجمدة منذ 2018.
## آثار عملية: عودة منصات الطروحات للأفراد
التحول في الموقف التنظيمي بدأ ينعكس سريعاً في السوق. فقد أطلقت منصات رائدة مثل **كوينبيس** منصات متخصصة لإطلاق وبيع رموز جديدة مع إمكانية مشاركة المستثمرين الأفراد الأمريكيين، بعد سنوات من تقييد وصولهم للعروض الأولية.
استحواذ كوينبيس على منصات متخصصة في إطلاق العملات، وضخ مئات الملايين من الدولارات في بنية تحتية للطروحات، يعكس ثقة متزايدة في أن الإطار الجديد سيُشرعن مجدداً جمع رأس المال عبر الرموز مع حماية تنظيمية أكثر تناغماً مع طبيعة التقنية.
## مزايا للشركات والمستثمرين
إحياء الطروحات الأولية ضمن هذا الإطار يحمل عدة مزايا:
- **قناة تمويل بديلة وسريعة** تسمح للشركات الناشئة بجمع رأس المال دون المرور بكل تعقيدات ومدة الطرح العام الأولي التقليدي.
- **وصول عالمي للمستثمرين** عبر الإنترنت، بدل الاعتماد على شبكات تمويل محلية أو إقليمية محدودة.
- **تخفيف الأعباء التنظيمية** على أنواع الرموز غير المصنفة كأوراق مالية، ما يقلل التكلفة الإدارية ويزيد هامش التجربة والابتكار.
## مبادرة Project Crypto والإعفاء الابتكاري
أطلق أتكينز مبادرة شاملة تحت اسم **Project Crypto** تهدف إلى جعل الولايات المتحدة مركزاً عالمياً للتمويل الرقمي. من أبرز مكونات هذه المبادرة:
- **إعفاء الابتكار (Innovation Exemption)**
إطار يسمح لشركات العملات الرقمية بتجربة نماذج أعمال ومنتجات جديدة ضمن “مساحة منظمة” (Regulatory Sandbox) تستند إلى قواعد مبدئية بدلاً من الامتثال الكامل الفوري لكل التفاصيل التنظيمية.
- الشركات التي تستفيد من هذا الإعفاء ستلتزم:
- بتقديم تقارير دورية إلى لجنة الأوراق المالية
- بالعمل ضمن حدود كمية وزمنية وتعريف واضح لنطاق التجربة
- باحترام معايير أساسية لحماية المستثمرين والشفافية
من المتوقع دخول هذا الإعفاء حيز التنفيذ في **يناير 2026**، ما يمنح رواد الأعمال في العملات الرقمية مساراً مشروعاً لاختبار منتجاتهم على نطاق محدود قبل الانتقال إلى نظام ترخيص كامل.
## من “التنظيم بالإنفاذ” إلى “التنظيم بالوضوح”
يتبنى أتكينز تحولاً فلسفياً عميقاً في طريقة الإشراف على العملات الرقمية:
- الابتعاد عن نموذج **“التنظيم عبر القضايا القضائية”** الذي ساد في عهد الإدارة السابقة، حيث كانت المشاريع تتعلم القواعد بعد مقاضاتها.
- الانتقال إلى:
- **قواعد واضحة ومعلنة مسبقاً** تُمكّن الشركات من التخطيط بثقة.
- **توجيه مسبق ومنظم** عبر إرشادات، استثناءات، وآليات استشارة رسمية.
- **تنظيم متناسب مع المخاطر** يفرّق بين شركة ناشئة صغيرة ومؤسسة مالية عملاقة، وبين رمز استخدام بسيط وأصل مالي معقد.
الهدف هو خلق بيئة يمكن فيها للأصول الرقمية والبلوكتشين أن تزدهر، مع الحفاظ على حماية المستثمرين وسلامة الأسواق.
## الجدول الزمني والتشريعات المرافقة
تسير العملية التشريعية والتنظيمية على مسار متسارع نسبياً:
- من المتوقع أن تنشر لجنة الأوراق المالية في 2026:
- **قاعدة شاملة للأصول الرقمية** توضح تصنيفها، شروط طرحها، وتداولها في الأسواق الخاضعة للتنظيم.
- **تعديلات على قانون الأوراق المالية لعام 1934** لتسهيل إدراج وتداول الأصول الرقمية على البورصات وأنظمة التداول البديلة.
- توجيهات خاصة بمنتجات **الرافعة المالية والهامش والتمويل** في مجال العملات الرقمية.
هذه التحركات تتكامل مع جهود الكونغرس في تمرير قوانين لتسهيل تمويل رأس المال الجريء وتحفيز الابتكار المالي، ما يضع الأصول الرقمية ضمن سياق أوسع لإعادة تنشيط الأسواق الأمريكية.
## تأثير على صناعة الأوراق المالية التقليدية
رؤية أتكينز لا تقتصر على العملات الرقمية، بل تمتد إلى **إصلاح شامل لقواعد تشكيل رأس المال** في الولايات المتحدة:
- **ربط الإفصاحات بمفهوم “المعلومة المادية”** فقط، لتقليل التقارير الزائدة وغير المفيدة للمستثمرين.
- **تدرج متطلبات الإفصاح** حسب حجم الشركة ومرحلة نموها، بدل تطبيق نموذج واحد على الجميع.
- **إعادة تصميم الإفصاح عن تعويضات المديرين** ليصبح أكثر تركيزاً وأقل عبئاً على الشركات.
- **توسيع “ممر الطرح العام الأولي” (IPO on-ramp)** المنصوص عليه في قانون JOBS، بحيث تستفيد الشركات المطروحة حديثاً من قواعد أخف لفترة أطول، ما يُبقي تكلفة الدخول إلى الأسواق العامة ضمن نطاق معقول للشركات الصغيرة والمتوسطة.
هذا النهج يهدف إلى إعادة جعل الطرح العام الأولي خياراً قابلاً للتطبيق لمجموعة أوسع من الشركات، وليس حكراً على “اليونيكورن” العملاقة القادرة فقط على تحمّل البيروقراطية المكلفة.
## نحو لحظة انعطاف تاريخية
رؤية بول أتكينز تمثل قطيعة واضحة مع عقدين من التصاعد المستمر في حجم وتعقيد التنظيم، وترتكز على ثلاث ركائز أساسية:
- **التبسيط**
- **القابلية للتوسع**
- **الحداثة**
بالنسبة للشركات الناشئة، تخفض هذه الإصلاحات تكاليف وتعقيد جمع رأس المال، سواء عبر الطروحات العامة أو الطروحات الأولية للعملات. وبالنسبة لصناعة العملات الرقمية، يشير مزيج التصنيف الجديد، وإعفاء الابتكار، والتحول في الفلسفة التنظيمية إلى أن العصر الذهبي للطروحات الأولية الذي توقف فعلياً منذ 2017 قد يكون في طريقه للعودة، هذه المرة ضمن إطار أكثر وضوحاً واستدامة.
يبقى أن تفاصيل التنفيذ – كيفية تعريف “المعلومة المادية”، حدود الاستثناءات، القيود على الأنشطة المعفاة، ومدى دعم الكونغرس لتوجهات اللجنة – ستحدد ما إذا كانت هذه الرؤية ستتحقق بالكامل، أم ستحتاج لجولات أخرى من التعديل والمراجعة.