الذهب الأسود الجديد: الذكاء الاصطناعي بين الحماسة والواقع

الذكاء الاصطناعي أصبح يُوصف بـ"الذهب الأسود الجديد" في الاقتصاد العالمي، إذ تشهد الاستثمارات فيه قفزة تاريخية تتخطى تريليونات الدولارات سنويًا. مع حلول 2025، من المتوقع أن يبلغ الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي 1.48 تريليون دولار، مع استمرار النمو السريع حتى 3.3 تريليون دولار بحلول نهاية العقد. هذا الزخم الاستثماري مدفوع بقناعة الشركات الكبرى بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح محركًا اقتصاديًا يغيّر قواعد اللعبة ويعيد تعريف النمو والقيمة في مختلف القطاعات.

تقرير "ماكينزي 2025" يؤكد أن تقنيات الذكاء الاصطناعي مسؤولة اليوم عن أكثر من 4 تريليونات دولار من القيمة الاقتصادية سنويًا. أكثر من 75% من الشركات الكبرى عالميًا أدخلت الذكاء الاصطناعي في عملياتها، مما أحدث طفرة في الإنتاجية تراوحت بين 20% و40% عن المنافسين التقليديين. القطاعات الأكثر استفادة تشمل الخدمات المالية، التصنيع الذكي، الرعاية الصحية، وسلاسل الإمداد، ناهيك عن تحوّل أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى ركيزة للإبداع السريع والتحليل الذكي.

رغم هذه القفزة، يقف القطاع أمام تحديات جوهرية:

  • البنية التحتية: تشهد الأسواق طلبًا هائلًا على قدرات الحوسبة والتخزين التي تتخطى الإمكانيات الحالية للكثير من الاقتصادات.
  • الطاقة: استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي للطاقة يتزايد بشكل كبير، وتبرز الحاجة لمصادر طاقة مستدامة وفعالة، مثل الطاقة النووية التي توصف بأنها المثالية لهذا النوع من الاستهلاك المكثف بعيدًا عن التقطع الذي يرافق الطاقة المتجددة التقليدية.
  • التنظيم: في أوروبا وألمانيا خاصة، يعوق الحذر التنظيمي وقوانين حماية البيانات توسع الاستثمارات، بالرغم من أن 91% من الشركات لديها استراتيجيات للذكاء الاصطناعي التوليدي و70% تخطط لزيادة ميزانيتها في هذا المجال.

يُتوقع أن الذكاء الاصطناعي التوليدي وحده يمثل حوالي ربع السوق العالمي في 2025، مع نمو سنوي يتجاوز 40%. لكن في المقابل، هناك شكوك حول مدى تحول هذه الاستثمارات إلى نمو اقتصادي حقيقي، خاصة أن التقديرات تشير إلى أن معدلات النمو المتوقع لبعض الاقتصادات المتقدمة، مثل ألمانيا، ستظل ضعيفة وتحتاج لإصلاحات هيكلية لتحويل استثمارات الذكاء الاصطناعي إلى نتائج ملموسة.

باختصار، الذكاء الاصطناعي يمثل فرصة تاريخية لكنه ليس حلاً سحريًا. النجاح يتطلب:

  • استثمارات بنيوية ذكية في الحوسبة والطاقة.
  • تطوير بيئة تنظيمية مرنة وداعمة.
  • تركيز على النتائج والكفاءة وليس مجرد الركض خلف "موضة التقنية".
  • التدريب وتطوير المواهب البشرية لمواكبة التحوّل الرقمي.

"الذهب الأسود الجديد" يمكن أن يُغيّر مستقبل الاقتصادات، بشرط أن يُدار بعقلانية ولا يتحول إلى "ذهب فاسد" يُستهلك سريعًا دون أثر دائم.