شعب المانيق: بين أعماق الغابة وقانون الأرض في تايلاند

في قلب غابات تايلاند الكثيفة، يركض شاب من شعب المانيق وسط الأدغال، حاملًا أنبوب النفخ ليصطاد قردًا بسهم مسموم، وتتعالى صيحات أفراد مجموعته تشجيعًا له. تتجذر هذه المشاهد في صميم تقاليد المانيق، إحدى أصغر الأقليات العرقية وأحد آخر مجتمعات الصيد والجمع في البلاد. وكغيرهم من الشعوب الأصلية حول العالم، يتمسكون بالعادات رغم تبدل الحياة تحت ضغط التعليم والخدمات الصحية. يطالب المانيق اليوم بحقوقهم في الأرض التي يعتبرونها إرثًا أزليًا، لكن القوانين التايلاندية تمنع التملك الخاص وتحصر الاستفادة من ثروات الطبيعة. في تجمعهم الصغير بـ"با بون"، يسعى أصغر الصيادين لإطعام عائلته من غلة صيده، وتُوزع الغنيمة بالتساوي بين الأسر وفق تقاليد راسخة. ومع ذلك، يعتبر الصيد وجمع الثمار اليوم نشاطًا موسميًا بعدما كان مصدر الغذاء الرئيسي. تواجه مجتمعات المانيق تناقضًا حادًا بين الانتماء للغابة ومتطلبات العصر، وتتمثل طموحاتهم اليوم في حق انتفاع دائم بالأراضي ليحققوا الاستقرار والمعيشة الكريمة. لكن قانون الغابات التايلاندي يقيد ملكيتهم واستخدامهم للمناطق التي يعيشون فيها منذ قرون، ويمنحهم فقط تصاريح مؤقتة لاستخدام الأرض. التحديث فرض عليهم تحديات اقتصادية، فانتقل الرجال للعمل في مزارع المطاط، بينما تصنع النساء حقائب من أوراق النباتات لبيعها. صارت الهواتف الذكية مألوفة، والأطفال يقطعون المسافات يوميًا للدراسة في قرى مجاورة، فيما تعبر الأمهات عن فخرهن بتعلم أبنائهن القراءة والكتابة لأول مرة. مع صدور قانون جديد يمنحهم حق الانتفاع دون الملكية، يشعر كثيرون أن القانون لم يحقق العدالة الكاملة؛ فقرارات البناء، وإدخال الخدمات، واستخدام الموارد لا تزال تحتاج موافقة السلطات، ويبقى الحلم ببيت مستقر وأرض دائمة بعيد المنال. ينتمي المانيق إلى الشعوب النغريتو القديمة في جنوب شرق آسيا، وتميزهم ثقافتهم الصيادة والجامة، وأكواخهم المؤقتة، ومساواة مواردهم. يتحدثون لغة من أسرة المون-خمير، ويظهر التحليل الجيني ارتباطهم بمجتمعات السمانغ الماليزية وأحفاد الحضارات القديمة في المنطقة. بفضل العزلة والظروف الجغرافية، احتفظوا بجذورهم رغم التحولات المتسارعة. قصة شعب المانيق اليوم هي صراع بين إرث الغابة وقانون الدولة، بين رغبتهم في الاستقرار وحماية الذات، وبين طبيعة قانونية صارمة لا تمنحهم حق الملكية الكاملة. وكما يقول زعيمهم: "أعطونا بيتًا نستقر فيه للأبد." في ظل غابة تتقلص وقوانين تتشدد، تبقى قصة المانيق تعبيرًا عن التمسك بالجذور والسعي نحو المستقبل.