ترند الست سيڤن (6-7): كيف تحوّل رقم بسيط إلى أيقونة رقمية بين شباب أمريكا؟

انتشرت مؤخراً ظاهرة رقمية مثيرة في الولايات المتحدة تحت اسم "ترند الست سيڤن (6-7)" أو "six seven" التي اجتاحت منصات التواصل الاجتماعي، خصوصاً تيك توك، وجذبت ملايين الأطفال والمراهقين الأمريكيين، حتى أصبحت جزءاً من الثقافة الرياضية الأمريكية وبالتحديد في دوري كرة السلة الأمريكي NBA، حيث باتت الأرقام 6 و7 حاضرة في كل مشهد تقريباً. في إحدى مباريات بطولات الجامعات الأمريكية لكرة السلة للسيدات، فقدت القاعة الرياضية لفريق "تايجرز أوبورن" اتزانها لحظة وصول الفريق إلى 67 نقطة. لم يعد للمباراة قيمة تنافسية بعد أن حسمت لصالح أصحاب الأرض، ولكن مع تسجيل نقطة الرمية الحرة التي رفعت النتيجة إلى "67"، تحول الحضور فجأة إلى موجة هائلة من الصياح والجنون بين الأطفال والمراهقين. تسارعت الكاميرات لتوثيق ردود فعل هؤلاء الصغار، جميعهم يتشاركون نفس حركة الأيدي، حيث يلوّحون بها بشكل يرمز إلى الميزان أو قرار الحيرة. حتى اللاعبات على أرضية الملعب بدأن بتقليد الحركة نفسها. رقما الستة والسبعة أصبحا أيقونة غامضة وساحرة بين الشباب الأمريكي في الأسابيع الأخيرة، ليس فقط بسبب غرابة الفكرة، بل أيضاً لأن الحركة المرتبطة بهما انتقلت بسرعة من عالم الإنترنت إلى أروقة الملاعب. تحول هذا السلوك إلى ما يمكن اعتباره صرخة جماعية عابرة للأجيال داخل المجتمع الأمريكي الرياضي. هذه الظاهرة لم تقتصر على الجمهور، بل انتقلت إلى النجوم أنفسهم. مثلاً بول جورج لاعب NBA الشهير، كلما سُئل عن طوله (الذي يساوي 6 أقدام و7 إنشات – 6’7 بالطول الأمريكي)، يقوم بحركة "الست سيڤن" التي غزت تيك توك. كذلك لا ميلو بول، بدأ يفتخر بطوله الذي يساوي 6'7، وتبنّى الحركة الجماهيرية صراحة. وحتى فريق لوس أنجلس كليبرز، يوجد مشهد شهير يظهر فيه البدلاء يحتفلون بشكل هستيري على مقاعدهم كلما وصل الفريق إلى النقطة 67 ضد غولدن ستايت واريورز. أما ستيفن كاري، أحد أعمدة دوري NBA، لم يفوّت الفرصة وسخِر من الظاهرة عقب فوز لفريق غولدن ستايت وبلوغه الرصيد "7 انتصارات و6 هزائم"، قائلاً مازحاً: "٧-٦ أفضل من ٦-٧"، في إشارة واضحة للجنون المحيط بالأرقام على الشبكة وفي المدرجات. وفيما يتعلق بالجمهور في الملاعب، أطلقت فرق مثل نيو أورلينز بيليكانز وأورلاندو ماجيك فكرة "كاميرا 6-7": عندما تلتقطك الكاميرا الكبيرة على الشاشة العملاقة في الصالة، يجب عليك أن تؤدي حركة "الست سيڤن" بحماس مبالغ فيه، ليشارك الجميع اللعبة ويؤسسوا أجواء فريدة وغريبة في الملاعب الأمريكية. انتقال الظاهرة: - لم تقتصر ظاهرة "6-7" على كرة السلة فقط، بل انتقلت بسرعة إلى رياضات شعبية أخرى مثل دوري كرة القدم الأمريكية NFL، وبطولات UFC للقتال، ودوري الهوكي NHL، وأصبح الجميع يتفاعل مع الحركة والأرقام بطريقة هستيرية تشبه طقوس جماهيرية جماعية. لكن السؤال المحوري: من أين جاءت هذه العدوى الرقمية؟ الأصل الغامض للترند: - جذور هذه الموضة تعود إلى مغني الراب الأمريكي Skrilla القادم من فيلادلفيا، الذي أطلق في 2024 أغنية بعنوان "Doot Doot" تتكرر فيها عبارات "6-7" مع أداء الحركة اليدوية الخاصة بها. - التفسير الحقيقي لما يقصده المغني غير واضح حتى اليوم. ربما يشير الرقم إلى رمز الشرطة "10-67" المستخدم للإبلاغ عن حال وفاة، أو الشارع الذي نشأ فيه المغني. هذه النقطة بقيت مجهولة وخلقت مساحة للتأويل والسخرية، حتى تم تناولها في إحدى حلقات مسلسل الرسوم المتحركة الشهير South Park، حيث جرى تهكم مباشر على الظاهرة. الثقافة الرقمية الجديدة: - تشير هذه الظاهرة إلى حجم التأثير الذي باتت تحققه شبكات مثل TikTok، إذ تستطيع تحويل حركة بسيطة أو رقم عابر إلى موجة تهز دولة بأكملها وتدخل في الدم الرياضي–الاجتماعي للجمهور الأمريكي. - ترند "6-7" يجسد كيف تتحول الرموز البسيطة إلى وسائط جماعية لها قواعدها وطقوسها، لاسيما في وسط الجيل الجديد الذي يبحث باستمرار عن أشكال تواصل عاطفية أو مقاطع فيديو تبدو مرتبطة بمشاعر أو معاني جماعية حتى لو كانت في جوهرها فارغة من المعنى أو غامضة. تأثير الزمالك العالمي: - لوحظ أيضاً أن الترند لم يعد وقفاً على المشاهد الأمريكية. عند مباريات لأندية أوروبية – على سبيل المثال عند أتلتيكو مدريد – بدأ مشجعون يؤدون الحركة، وظهرت هاشتاغات "67" على تويتر وتيك توك بين جماهير الكرة في فرنسا وإسبانيا، مما يوضح أن الثقافة الرقمية عابرة للحدود، تؤثر وتنتشر بمنطق العدوى وليس المنطق العقلي الصِرف. تفسير الظاهرة من منظور شبكات التواصل: - تشهد مواقع التواصل الاجتماعي في 2025 تحولاً كبيراً من حيث أنماط التفاعل، حيث يغدو المحتوى القصير (snack content) هو صاحب اليد العليا في جذب المشاهدات على منصات مثل تيك توك، إنستغرام، ويوتيوب شورتس. - تفيض الشبكة اليوم بمنصات تحاول أن تبدو ملتزمة أو "أصلية" – ولكن في الحقيقة، الترندات الجماهيرية تصنعها الحشود من خلال رموز، حركات أو صيغ كلمات تُردد بلا توقف، بحيث تتحول إلى لغة خاصة ولهجة رقمية لكل جيل. خصوصية الجيل الجديد: - الجيل زد (Generation Z) بات أكثر تفاعلاً مع هذه الظواهر، حيث يحكمه رغبة في الانتماء الفوري وحضور الألعاب التي تدمج التضامن الرقمي بإثارة الحياة الحقيقية. - المراهق الأمريكي في 2025 لا يكتفي بمشاهدة مبارياته، بل يريد أن يكون جزءاً من اللحظة الحماسية الرقمية الجماعية. الكل يبحث عن "لحظة 6-7" أو ينتظر متى تظهر الكاميرا ليقلد الحركة، في تداخل مستمر بين الرقمي والواقعي. انتشار إلى منصات متنوعة: - رقم 67 ظهر واقعياً أيضاً في إحصاءات واستخدام الإنترنت، فمؤشرات 2025 توضح أن نحو 67% من سكان العالم يستخدمون الشبكة يومياً، وأكثر من 5 مليار شخص نشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، مما يفسر تحول الترند المتعلق بهذا الرقم إلى علاقة رقمية عميقة لجيل يسكن الإنترنت ولا يخرج منها إلا ليؤدي حركات ترندات جديدة أمام شاشات الملاعب. الدلالات الثقافية والاجتماعية: - ظاهرة "6-7" لا تعني شيئاً محدداً، لكنها أصبحت تمثل حالة نفسية جماعية؛ حركة تنطوي على فكاهة، سخرية، انتماء، وحتى تحدٍ لا واعٍ ضد القواعد أو المعايير القديمة. - هي – في جوهرها – تعكس كيف أصبح الجيل الجديد يبحث عن معنى ورموز حتى في الأشياء اليومية البسيطة، ويستطيع تحويلها من لعبة إلى حركة رقمية ثم إلى سلوك اجتماعي مؤثر. - لم يعد النجاح الرقمي مقتصراً على الإبداع المفاهيمي، بل أصبح مرتبطاً بالسرعة، التقليد، والانتشار الأوتوماتيكي الذي تصنعه ملايين مقاطع الفيديو والهاشتاغات الجماعية بالتزامن على تيك توك وإنستغرام وغيرها. لهذا يجمع النقاد أن "6-7" مجرد مثال واحد على قدرة الشبكة على تحويل أرقام عادية إلى "أساطير رقمية" بعد أن يتبناها الأطفال والشباب، وتصل إلى نجوم الرياضة، ثم تتسرب إلى القطاعات الأخرى كالموسيقى، الأفلام والمسلسلات، وتدخل في صلب الحياة اليومية في الولايات المتحدة، بل وتنتشر إلى العالم كله. --- إذا كنتَ مدوّناً تونسياً، يمكنك أن تستثمر هذه الظواهر الرقمية وتجمع أمثلة محلية وعالمية لمقارنتها بثقافة الشباب العربي على الشبكة. كيف يتحول الرقم أو الحركة أو الجملة إلى ترند سياسي أو رياضي أو ساخر بين جمهورنا؟ وهل سنشهد يوماً "ترند الست سبعة" في مدرجات الكرة العربية؟ بالتأكيد الإجابة ستجدها العام القادم بين تعليقات الشباب على فيسبوك وتيك توك. انتهى.