رالي نهاية العام يعيد مؤشر SMI إلى تخوم 13 ألف نقطة
يشهد **سوق الأسهم السويسري** اليوم استمراراً واضحاً لموجة الصعود التي بدأت منذ منتصف نوفمبر، مع اقتراب مؤشر **SMI** مجدداً من العتبة النفسية البالغة **13 ألف نقطة**. بعد افتتاح متردد سجّل خلاله المؤشر لفترات قصيرة مستويات سلبية، تحوّل المسار صباحاً إلى مكاسب ملموسة، ما غذّى الحديث في قاعات التداول عن انطلاق «رالي نهاية العام» على خلفية التفاؤل حيال السياسة النقدية الأميركية.
في حوالى الساعة 10:55 بتوقيت زيورخ كان **SMI** مرتفعاً بنحو **0,39%** عند **12’985,42 نقطة**، أي على مرمى حجر من مستوى 13 ألف نقطة الذي كان قد فقده في أبريل خلال ما يُعرف في الولايات المتحدة بـ«يوم التحرير». المؤشر العريض **SPI** تقدم بنسبة **0,35%** إلى **17’838,81 نقطة**، بينما صعد مؤشر **SLI** – الذي يضم أهم 30 سهماً في السوق السويسرية – بنسبة **0,46%** إلى **2’104,29 نقطة**. تركيبة الحركة داخل SLI تكشف عن سوق متوازنة نسبياً: 20 رابحاً مقابل 19 خاسراً، في حين بقيت أسهم Swiss Life دون تغيير يُذكر.
هذا الصعود يواكبه مزاج عام متفائل في الأوساط المالية، مردّه التوقع شبه الإجماعي بأن **الاحتياطي الفدرالي الأميركي** سيُقدم في اجتماعه يوم الأربعاء على خفض أسعار الفائدة بمقدار **0,25 نقطة مئوية**. لا يكاد أحد في السوق يشكّك في حدوث هذا الخفض، ما يجعل الأنظار مركّزة أكثر على **لغة الخطاب** و**التوجيهات المستقبلية** لما يسمى «مسار الفائدة» في العام القادم. بنك Zürcher Kantonalbank يرى في هذا المناخ أن إشارة الانطلاق لـ«رالي نهاية العام» قد أُطلقت بالفعل، بينما تختصر منصة التداول Swissquote المشهد بعبارة لافتة: **«الخفض مضمون، أما الآفاق فلا»**، في إشارة إلى أن الغموض الحقيقي يكمن في عدد التخفيضات اللاحقة وتوقيتها.
على مستوى الأسهم الفردية، يبرز **قطاع الصحة** وبعض قصص النمو كأبرز مستفيد من موجة الشراء. في مقدمة القائمة نجد سهم **Sandoz** الذي قفز بنحو **3,5%**، مستفيداً من توصية إيجابية من بنك **JPMorgan** ترافقت مع **رفع مستهدف السعر**، ما أعطى دفعة جديدة لمسار السهم الذي يعيش أصلاً على وقع «مطاردة أرقام قياسية» حسب توصيف المتعاملين. البنك الأميركي يتوقع أن يتسارع نمو الإيرادات لدى Sandoz خلال العام المقبل، وهو ما يغذّي السردية الاستثمارية حول الشركة كأحد محركات النمو في السوق السويسرية.
سهم **Galderma** يتحرك هو الآخر في منطقة إيجابية واضحة مع ارتفاع يقارب **1,7%** رغم تذبذب ملحوظ في الأسعار أثناء الجلسة. عنصر الدعم الأبرز هنا يأتي من خطوة **L’Oréal**، المساهم الرئيسي، الذي قرر مضاعفة حصته في الشركة من **10% إلى 20%** عبر شراء حصة إضافية من عدد من المساهمين القدامى. هذه الخطوة قرأتها **Zürcher Kantonalbank** على أنها «في غاية المنطقية» استراتيجياً، بل وألمحت حتى إلى احتمال **استحواذ جزئي** من جانب L’Oréal على Galderma في سيناريوهات مستقبلية محتملة. بالنسبة للمستثمرين، مثل هذه الإشارات تُترجم عادةً إلى ثقة متزايدة بقيمة الشركة وبمكانتها في محفظة المجموعة الفرنسية.
في السياق نفسه، تجني **Straumann** ثمار نظرة إيجابية جديدة من JPMorgan أيضاً، إذ حصل السهم على **ترقية في التوصية من Neutral إلى Overweight**، ما دفعه إلى الصعود بنحو **1,7%**. يستند البنك الأميركي في تقييمه إلى معطيات «يوم أسواق المال» الأخير للشركة، حيث أعادت Straumann التأكيد على طموحها في تحقيق **نمو مزدوج الرقم في الإيرادات حتى عام 2030**، وهي رسالة نمو طويلة الأمد تلقاها السوق بحفاوة.
الاهتمام الأميركي نفسه شمل أيضاً عملاقي الصحة في البورصة السويسرية: **Novartis** و**Roche**. JPMorgan رفعت تقييمها للسهمين في إطار دراسة قطاعية أوسع، لتشهد أسهم Roche فئة GS ارتفاعاً بحوالي **1,3%** مع طلب قوي عليها، فيما ارتفع سهم Novartis بنسبة أكثر تواضعاً عند حدود **0,2%**. هذا التمايز في ردّ فعل السوق يعكس جزئياً اختلاف التوقعات التفصيلية بشأن خطوط الأدوية وخريطة الابتكار لدى كل شركة، لكنه يؤكد في المجمل استمرار هيمنة القطاع الدفاعي الصحي على مشهد الأسهم السويسرية.
في الطرف المقابل من لوحة الأداء نجد بعض الأسماء تحت الضغط، وعلى رأسها **Sika** التي تراجعت بنحو **1,2%** لتقبع في ذيل قائمة SLI. السهم كان قد بدأ منذ منتصف نوفمبر مسار تعافٍ خجول من قاع هو الأدنى منذ عدة سنوات، لكن هذا الاتجاه فقد زخمه اليوم عقب قيام **Deutsche Bank** و**Royal Bank of Canada** بخفض توصياتهما على السهم إلى مستوى «احتفاظ» (Halten). هذه المراجعة المزدوجة للتصنيف غالباً ما تفسَّر كإشارة إلى أن مساحة الصعود السريع باتت محدودة في الأجل القريب، ما يشجع بعض المستثمرين على جني الأرباح أو تقليص الانكشاف.
الضغوط تمتد أيضاً إلى أسهم الساعات الفاخرة، حيث تتراجع **Swatch** بنحو **1,2%**، بينما تفقد **Richemont** قرابة **0,6%**، أي نصف نسبة هبوط منافستها. هذا التباين المحدود بين الشركتين يعكس ربما اختلافاً في مزيج الأسواق النهائية أو في تقييمات السهمين بعد موجات صعود سابقة، لكنه في النهاية يندرج في إطار موجة جني أرباح تستهدف بعض قصص الاستهلاك الدوري بعد فترات أداء قوي.
بعيداً عن الأسماء الثقيلة، يشدّ **السوق العريض** الأنظار إلى حدث لافت: **أول يوم تداول لسهم Helvetia Baloise Holding (HBAN)**، الكيان الناتج عن عملية اندماج بين مجموعتي التأمين Helvetia وBaloise. السهم افتتح الجلسة بأداء إيجابي و«بداية ودّية» كما وصفتها بعض التعليقات، قبل أن يتراجع لاحقاً إلى منطقة سلبية بحوالي **2,1%**. مثل هذه الحركات ليست غير مألوفة في أيام الإدراج أو ما بعد الاندماج، حيث يحاول السوق إعادة تسعير الكيان الجديد في ضوء الهيكلة، التآزر المنتظر، وحركة المساهمين القدامى والجدد.
من جهة أخرى، يواصل سهم **Cosmo** مسيرة الصعود القوية التي بدأها الأسبوع الماضي بعد نشر بيانات دراسية مشجّعة، مضيفاً اليوم حوالي **9%** إضافية إلى قيمته. الحافز الأساسي هنا يعود إلى نتائج إيجابية في تجارب سريرية، ما دعم قناعة المستثمرين بإمكانات منتجات الشركة وخط أنابيبها في الأدوية المتخصصة. الزخم الإيجابي لا يقتصر على Cosmo وحدها، إذ تشهد عدة أسهم من قطاع التكنولوجيا الحيوية والصحة أداءً يفوق المتوسط:
- **Addex** ترتفع بنحو **6,7%**.
- **Bioversys** تزيد بحوالي **5,2%**.
- **Idorsia** تصعد بأكثر من **4,2%**.
هذه التحركات تعكس شهية متجددة للمخاطرة في قطاع يُعرف عادةً بتذبذباته الحادّة، لكنه في المقابل يقدم إمكانات نمو عالية إذا ما نجحت مشاريعه البحثية في عبور المراحل التنظيمية.
المشهد نفسه يتكرر مع **Xlife Sciences** التي تُسجّل مكاسب تقارب **4%**. الشركة أعلنت عن صفقة مهمة تقضي ببيع مجموعة من **مشاريع التكنولوجيا الحيوية والطبية والرقمية المتقدمة** – في مجالات Biotech وMedtech وDigital Health – إلى مجموعة **Grupo Landsteiner** بقيمة إجمالية تقارب **450 مليون دولار أميركي**. الصفقة لا تقتصر على عنصر البيع فقط، بل تتضمن أيضاً اتفاقاً على **شراكة استراتيجية طويلة الأمد** بين الطرفين، ما يفتح أمام Xlife Sciences آفاقاً جديدة لتسويق حلولها وتطوير مشاريع مشتركة في أسواق مختلفة. هذا المزيج من جني السيولة وتعميق العلاقات الاستراتيجية غالباً ما يُنظر إليه في السوق كعامل مزدوج لدعم القيمة: من جهة يعزّز الميزانية، ومن جهة أخرى يرفع وضوح الرؤية بشأن مسار النمو المستقبلي.
في الخلفية، يلعب المشهد الكلّي دوراً حاسماً في توجيه هذه التحركات. فسويسرا، كاقتصاد صغير منفتح مع عملة قوية، تتأثر بقوة بالسياسات النقدية العالمية، وعلى رأسها **سياسة الفيدرالي الأميركي**، سواء عبر قنوات أسعار الفائدة أو عبر تحركات العملات وتدفقات رؤوس الأموال. ومع ترسّخ التوقعات بخفض الفائدة في الولايات المتحدة وبمزيد من التيسير النقدي في عدد من الاقتصادات المتقدمة، يعود **سوق الأسهم السويسري** ليظهر مجدداً في دور «الملاذ الدفاعي» المستفيد من وزنه الكبير في القطاعات الصحية والاستهلاكية الأساسية.
بحسب تقديرات بعض بيوت الاستثمار، يُنظر إلى السوق السويسري لعام 2025 في إطار **تقييم محايد** مع إمكان تحقيق صعود إضافي، مع بقاء الرهان الأكبر على كيفية تفاعل أرباح الشركات مع بيئة نمو عالمي متباطئ نسبياً. إلا أن حركة اليوم، مع اقتراب SMI مجدداً من سقف 13 ألف نقطة وعودة الاهتمام بأسهم النمو والصحة، توحي بأن المستثمرين يستعدون لاحتمال أن يحمل **الربع الأخير من العام** مفاجآت إيجابية، خاصة إذا جاءت نبرة الاحتياطي الفدرالي أكثر ميلاً للتيسير مما تتوقعه السوق حالياً.
في المحصلة، ما نشهده على شاشة التداول في زيورخ هو مزيج كلاسيكي من:
- تفاؤل كلي مدفوع بآمال **خفض الفائدة الأميركية**.
- حركة انتقائية لصالح أسهم النمو والدفاع، خصوصاً **الصحة** و**التكنولوجيا الحيوية**.
- ضغوط تصحيحية على بعض الأسماء الدورية أو التي شهدت موجات ارتفاع قوية في الأسابيع الماضية مثل **Sika** و**Swatch**.
أما العيون، فتبقى معلّقة على اجتماع الأربعاء في واشنطن، حيث سيُحسم ليس فقط مستوى الفائدة التالي، بل أيضاً ملامح قصة السوق للعام المقبل: هل سنكون أمام دورة تخفيضات عميقة تُنعش شهية المخاطرة أكثر، أم أمام خفض «محدود ومشروط» يعيد تسعير التوقعات ويختبر قوة هذا الرالي الذي أعاد SMI إلى تخوم 13 ألف نقطة؟