كامبل سوب: كيف تحوّلت الشوربة المعلّبة إلى رهان رابح في زمن الغلاء؟
تجاوزت شركة **كامبل سوب** الأميركية، المالكة لعلامة كامبل الشهيرة للشوربات المعلّبة، توقعات وول ستريت لإيرادات الربع الأوّل من سنتها المالية، وذلك بفضل استمرار الإقبال القوي على منتجاتها من الشوربات الجاهزة والوجبات السريعة التحضير للاستهلاك المنزلي.
هذا الأداء القوي يأتي في لحظة يتزايد فيها حذر المستهلك الأميركي والعالمي معاً، في ظل استمرار الضبابية الاقتصادية، الضغوط التضخمية، وتقلّب أسعار المواد الخام والرسوم الجمركية. في مثل هذا المناخ، تتغير عادات الإنفاق الغذائي: كثيرون يقلّصون وجبات المطاعم والمقاهي، ويتّجهون بدلاً من ذلك إلى **الطبخ المنزلي**، مع الاعتماد على منتجات طويلة الأجل يمكن تخزينها في خزائن المطبخ (الـ"بانتري").
### المستهلك بين التضخم والادّخار: لماذا تعود الشوربة إلى الواجهة؟
استمرار **التضخم** وتقلّب الرسوم الجمركية يدفعان شرائح واسعة من المستهلكين إلى إعادة ترتيب أولوياتهم الغذائية. بدلاً من دفع فواتير مرتفعة في المطاعم أو شراء وجبات جاهزة باهظة من منصّات التوصيل، يعود كثيرون إلى الخيارات الكلاسيكية:
- شراء **أساسيات المطبخ**: شوربات معلبّة، صلصات جاهزة، مكرونة، فاصوليا وحبوب معبّأة، وغيرها من منتجات يمكن استخدامها لتحضير وجبات متكاملة في البيت.
- تفضيل الطعام الذي يمكن **تخزينه لفترات طويلة**، تحسّباً لأي اضطرابات في الدخل، أو قلق من ارتفاعات جديدة في الأسعار.
- البحث عن منتجات تجمع بين **السعر المقبول** و**الراحة** في التحضير، أي أن تكون سريعة وسهلة، ولا تتطلّب وقتاً أو مهارات طبخ كبيرة.
هذا التوجّه يصبّ مباشرة في مصلحة شركات مثل كامبل، التي تقوم نماذج أعمالها على بيع منتجات مهيّأة للاستخدام المنزلي، قابلة للتخزين، وتقدّم إحساساً بالاستقرار والطمأنينة للمستهلك؛ فوجود علب شوربة وصلصات ومعكرونة في الخزانة صار بالنسبة لكثيرين نوعاً من **التأمين الغذائي المنزلي**.
### ما الذي قاله الرئيس التنفيذي؟
الرئيس التنفيذي للشركة، **ميك بيكهويزن**، لخّص هذا التحوّل في سلوك الشراء بوضوح، إذ أشار في بيان صحفي إلى أن المستهلكين يواصلون التسوّق بطريقة أكثر انتقائية وتركيزاً، مع استمرار ميلهم إلى الطبخ في المنزل، وهو ما يصبّ في مصلحة علامات كامبل المختلفة.
بمعنى آخر: المستهلك لم يتوقّف عن الإنفاق تماماً، لكنه أصبح أكثر حذراً، فيختار المنتجات التي تمنحه **أعلى قيمة مقابل السعر**، مع قابلية استعمالها في أكثر من وصفة منزلية، بدلاً من إنفاق المبلغ نفسه أو أكثر على وجبة واحدة خارج البيت.
### تحوّل “صحي” في استراتيجية كامبل: توديع الأصباغ الاصطناعية
في سياق مواكبة تحوّل أوسع في صناعة الأغذية المعبّأة، أعلنت كامبل أنها ستُزيل **الأصباغ الاصطناعية** من كامل محفظة منتجاتها للأغذية والمشروبات بداية من السنة المالية 2026.
هذه الخطوة ليست معزولة، بل تعكس عدّة اتّجاهات متقاطعة:
- تصاعد وعي المستهلكين بالمكوّنات، مع تزايد الطلب على منتجات **أكثر “نظافة”** من حيث قائمة المكوّنات (Clean Label).
- تفضيل شرائح واسعة من المشترين للأغذية التي تخلو من الملوّنات والنكهات الصناعية والمواد الحافظة قدر الإمكان، خصوصاً لدى العائلات التي تهتم بتغذية الأطفال.
- تسارع هذا الميل مع صعود خطاب سياسي وصحي في الولايات المتحدة يركّز على جعل البلاد “أكثر صحة”، عبر الربط بين الصحة العامة، اختيارات الطعام، وتكاليف النظام الصحي على المدى الطويل.
بالنسبة لشركة بحجم كامبل، فإن إزالة الأصباغ الاصطناعية ليست قراراً بسيطاً؛ فهي تحتاج إلى:
- إعادة صياغة وصفات المنتجات مع الحفاظ على الطعم واللون والجاذبية البصرية.
- ضمان استقرار المنتج خلال فترة صلاحيته من دون الاعتماد على بعض المضافات التقليدية.
- إدارة كلفة هذا التحوّل بحيث لا ترفع الأسعار إلى حد يفقدها ميزة القدرة على تحمّل التكلفة للمستهلك متوسط الدخل.
ومع ذلك، يشير هذا التغيير إلى إدراك كامبل بأن المستقبل ينتمي أكثر فأكثر إلى منتجات **أقرب إلى “الطبيعي”**، حتى إن بقيت معبّأة ومصنّعة.
### صفقة استراتيجية: حصة في La Regina / Rao’s
إلى جانب التكيّف مع توجّهات المستهلك الصحية، تتحرّك كامبل أيضاً على مستوى **الاستحواذات**. فقد أعلنت الشركة عن اتفاق للاستحواذ على **49% من شركة La Regina S.p.A.**، المعروفة خصوصاً بصلصات **Rao’s** عالية الجودة، في صفقة تقدّر بنحو **286 مليون دولار**.
هذه الصفقة تحمل عدّة أبعاد استراتيجية:
- دخول أقوى في سوق **المنتجات الممتازة (Premium)**، إذ تُعدّ صلصات Rao’s من العلامات ذات السمعة الجيّدة بين المستهلكين الذين يبحثون عن جودة مطبخ “منزلي – مطعم” في نفس الوقت.
- تنويع محفظة كامبل بعيداً عن الشوربات فقط، بتعزيز موقعها في فئة **الصلصات والمعكرونة** التي شهدت نمواً ملحوظاً خلال السنوات الأخيرة، خاصة مع ازدهار الطبخ في المنزل.
- إمكانية تحقيق **تآزر (Synergies)** في الإنتاج والتوزيع والتسويق، بحيث تستفيد Rao’s من شبكة كامبل الضخمة في منافذ البيع بالتجزئة، بينما تستفيد كامبل من صورة Rao’s كمنتج راقٍ ومركّز على الجودة.
من المنتظر اكتمال هذه الصفقة في **النصف الثاني من السنة المالية 2026**، ما يعني أن أثرها الكامل على الإيرادات والهوامش سيظهر تدريجياً بعد ذلك.
### أداء الربع الأوّل بالأرقام
بالعودة إلى نتائج الربع الأوّل المنتهي في 2 نوفمبر، سجّلت كامبل **مبيعات صافية بقيمة 2.68 مليار دولار**، متجاوزةً متوسط توقعات المحللين الذي بلغ 2.66 مليار دولار بحسب بيانات LSEG.
أبرز النقاط:
- الإيرادات الفعلية جاءت أعلى بقليل من التوقعات، وهي إشارة إيجابية في سوق يراقب عن كثب أداء شركات الأغذية وسط تغيّر عادات الإنفاق.
- الشركة حافظت على **توجيهاتها السنوية** لكل من الإيرادات والأرباح، أي أنها لم تضطر إلى خفض توقعاتها لبقية السنة، ما يعكس قدراً من الثقة في استمرار الطلب على منتجاتها.
- في التداولات ما قبل افتتاح السوق (Pre-Market)، بقي سهم كامبل، الشركة المعروفة أيضاً بمنتجات **بسكويت Goldfish**، مستقراً تقريباً دون تغيّرات تُذكر، ما يشير إلى أن النتائج كانت إلى حد كبير ضمن نطاق ما توقّعه المستثمرون.
بيان الشركة الرسمي يشير كذلك إلى أن المبيعات الإجمالية المبلّغ عنها للربع الأوّل من سنتها المالية ارتفعت بنسبة تقارب 10% إلى حوالي 2.8 مليار دولار عند احتساب أثر صفقات الاستحواذ، لكن **المبيعات العضوية** (أي بعد استبعاد أثر الاستحواذات والتصرّف في الأصول) كانت أقل بنحو 1% مقارنة بالعام السابق، متأثرة بعوامل مثل توقيت عطلة عيد الشكر وحركة المخزون لدى تجّار التجزئة.
### الطبخ في البيت كظاهرة أوسع… إلى متى؟
ما يحدث مع كامبل ليس حالة فردية؛ بل هو جزء من مشهد أشمل تتفاعل فيه عدّة قوى:
- **ضغط الميزانيات الأسرية**: مع ارتفاع تكاليف السكن، الطاقة، والخدمات، يبحث الناس عن أي بند يمكن خفضه، وغالباً ما يكون الأكل خارج المنزل أول الضحايا.
- **تغيّر نمط العمل**: استمرار أنماط العمل الهجين أو عن بُعد يعني قضاء وقت أطول في البيت، وبالتالي تزايد الطبخ المنزلي.
- **تطبيع سلوك “مخزون الطوارئ”**: منذ الجائحة، ترسّخت لدى كثيرين فكرة ضرورة وجود مخزون كافٍ من الأغذية المعلّبة والجافة في البيت.
هذه العوامل مجتمعة تمنح شركات الأغذية المعبّأة مثل كامبل **نافذة فرص**، لكنها في الوقت نفسه تفرض عليها تحديات:
- أن تبقى **جذّابة سعرياً** في سوق يتنافس فيه الجميع على المستهلك الحذر.
- أن تقدّم **قيمة غذائية** وطعماً مقنعاً في زمن ينتبه فيه المستهلك أكثر للمكوّنات والصحّة العامة.
- أن تبتكر منتجات جديدة، أو تطوّر الموجودة، لتواكب موجات مثل: الأكل النباتي، الأغذية قليلة السكر أو الملح، والمنتجات الغنية بالبروتين أو الألياف.
### كامبل بين “التقليدي” و”الصحي”: معادلة دقيقة
ما يميّز وضع كامبل اليوم أنّها تقف على خط توازن حساس:
- من جهة، منتجاتها الكلاسيكية – الشوربات المعلّبة، الصلصات، والبسكويت – ترتبط بذاكرة أجيال كاملة، وتشكّل جزءاً من “راحة البيت” في المخيال الأميركي.
- من جهة أخرى، هذه المنتجات نفسها تُنتقد أحياناً بسبب محتواها من الصوديوم، الملوّنات، والمضافات.
قرار إزالة الأصباغ الاصطناعية ابتداءً من السنة المالية 2026 إشارة واضحة إلى أن الشركة لا تريد البقاء أسيرة صورة “الأكل المصنع غير الصحي”، بل تسعى إلى إعادة تموضع نفسها كلاعب رئيسي في سوق **الأغذية المريحة (Convenience Food)**، لكن بلمسة صحّية أكثر تتلاءم مع توجهات المستهلك المعاصر.
الاستثمار في علامة Rao’s عبر La Regina يكمّل هذه الرؤية، لأنه يربط كامبل أيضاً بشريحة المستهلك الذي يبحث عن منتج جاهز لكن راقٍ، أقرب إلى “صلصة منزلية عالية الجودة” منه إلى منتج صناعي متواضع.
### ماذا تعني هذه التطوّرات للمستهلك وللصناعة؟
من زاوية المستهلك:
- استمرار توسّع خيارات الأغذية الجاهزة للطبخ في المنزل، مع ارتفاع عدد المنتجات الخالية من الأصباغ الاصطناعية وغيرها من المضافات المثيرة للجدل.
- توفّر خيارات متعدّدة من حيث السعر والجودة: من الشوربة المعلّبة الاقتصادية، إلى صلصات بريميوم مثل Rao’s.
- احتمال استمرار المنافسة بين الشركات الكبرى والعلامات الرخيصة التابعة للمتاجر (Private Label)، ما قد يضغط على الأسعار ويصبّ في مصلحة المشتري على المدى المتوسّط.
من زاوية الصناعة:
- الشركات التي تستطيع الدمج بين **الكلفة المقبولة** و**التحسين الصحي** (تقليل الإضافات، تحسين المكونات) ستكون الأقدر على الصمود.
- الاستحواذات والتحالفات، مثل صفقة كامبل مع La Regina، ستستمر كوسيلة لتسريع الدخول إلى فئات منتجات جديدة أو شرائح سوقية مختلفة.
- الضغط التنظيمي والسياسي باتجاه جعل الأغذية أقل مضرّة بالصحة على المدى الطويل سيدفع المزيد من الشركات إلى مراجعة وصفات منتجاتها وقوائم مكوّناتها.
بهذا الشكل، تتقدّم كامبل خطوة على طريق تثبيت موقعها كشركة تجمع بين **الطابع التقليدي** المألوف في شورباتها ووجباتها الجاهزة، وبين **تحوّلات السوق الصحية والاقتصادية** التي تعيد رسم عادات الأكل في البيوت الأميركية والعالمية على السواء.