كيف يعيد تغيّر المناخ رسم خريطة سوق العقارات عالميًا؟
من انهيار أسعار المساكن إلى تحوّل البيوت إلى عقارات غير قابلة للتأمين، صار تغيّر المناخ اليوم أحد أقوى العوامل التي تهزّ **سوق العقار** حول العالم، وتعيد تشكيله على مستوى القيمة والموقع وسلوك المشترين والبائعين على حدّ سواء.
في الولايات المتحدة، أعلنت شركة «زيلو» Zillow – أكبر منصّة إلكترونية لعرض وبيع وشراء المنازل – أن **المخاطر المناخية** أصبحت عنصرًا حاسمًا في قرارات الشراء لأكثر من 80 في المئة من المشترين المحتملين، بالتزامن مع إطلاق أداة رقمية جديدة بالتعاون مع المنظمة البيئية غير الربحية «فيرست ستريت» First Street. هذه الأداة، المعروفة باسم **درجة المخاطر المناخية من زيلو** (Zillow climate risk score)، كانت تتيح لأي مشتري محتمل تقييم مستوى تعرّض العقار لخمس مخاطر كبرى: حرائق الغابات، الفيضانات، موجات الحر الشديد، الرياح العنيفة، وتردّي جودة الهواء، عبر خريطة تفاعلية ملوّنة تغطّي نحو مليون عقار معروض على المنصّة.
يحصل كل منزل في هذه الخريطة على تقييم بصري بسيط يمكّن المشتري من فهم المخاطر قبل الإقدام على الشراء، فيتحوّل الحديث عن تغيّر المناخ من فكرة عامة إلى رقم واضح يدخل مباشرة في قرار الاستثمار في البيت الذي سيقطن فيه لسنوات طويلة. لكن هذه الخطوة “الشفّافة” لم تعمّر طويلًا؛ فبعد 14 شهرًا فقط، قامت زيلو **بإخفاء هذه الميزة من موقعها** بعد شكاوى واسعة من وكلاء العقارات وبعض المالكين الذين رأوا أن هذه الدرجات تسيء إلى المبيعات وتضعف فرص إتمام الصفقات. بدل أن تظهر معلومات المخاطر مباشرة في صفحة كل عقار، أصبحت القوائم تحتوي فقط على روابط خارجية إلى موقع «فيرست ستريت» لمن يريد التعمّق بنفسه.
هذا التراجع يكشف جانبًا مهمًّا من **هشاشة السوق العقارية** أمام واحد من أكبر تهديداتها في العصر الحديث: **أزمة المناخ**. المشكلة لم تعد مجرّد وجود المخاطر، بل في كيفية الاعتراف بها وإدماجها بصدق في التسعير، والتمويل، والتأمين، والتخطيط الحضري. كل محاولة لإخفاء المخاطر لا تلغيها، بل تؤجّل لحظة الاصطدام بها.
### كاليفورنيا: حرائق غير مسبوقة تكشف هشاشة السوق
بداية عام 2025 قدّمت مثالًا صارخًا على ذلك. في لوس أنجلِس، اندلعت **حرائق غير مسبوقة** دمّرت أكثر من 10 آلاف منزل، وأدّت إلى مقتل ما لا يقل عن 28 شخصًا، مدفوعة برياح «سانتا آنا» القوية ونباتات يابسة تحوّلت إلى وقود للنيران. امتدّت الحرائق بسرعة من المناطق الريفية إلى قلب الأحياء الحضرية، مخلفة خسائر تقدَّر بأكثر من 30 مليار دولار في الأصول والأضرار المادية.
دراسات علمية لاحقة أكّدت أن الظروف الحارة والجافة والعاصفة التي غذّت تلك الحرائق أصبحت الآن **أكثر احتمالًا بنحو 35 في المئة بسبب تغيّر المناخ**؛ أي أن أحداثًا كانت تُعتبر استثنائية باتت اليوم أقرب إلى نمط متكرّر. في ظل هذا الواقع، لم تتأثر الأسعار فقط، بل ظهرت ظواهر جديدة مثل **الاستغلال الإيجاري** أو «rent gouging»، حيث يُتَّهم بعض المُلّاك بفرض إيجارات مبالغ فيها على عقارات متضرّرة أو برفع الإيجار بقسوة على المستأجرين الحاليين مع زيادة الطلب وندرة المعروض.
رغم وجود قانون في ولاية كاليفورنيا يمنع خلال حالات الطوارئ رفع أسعار السلع الأساسية – مثل الغذاء والسكن – بأكثر من 10 في المئة، فإن الاتهامات بالتحايل على القانون تكاثرت. وردًّا على ذلك، أصبحت كاليفورنيا **أول ولاية أمريكية تُلزم البائعين** بإفصاح صريح عن **مخاطر الحريق** لكل منزل بُني قبل عام 2010، وشرح الإجراءات التي اتُّخذت لتقليل هشاشته أمام الحرائق. هذه الشفافية التشريعية خطوة مهمّة نحو ربط السعر الحقيقي بدرجة المخاطر، لكنها لا تكفي وحدها لمنع موجات نزوح السكان من المناطق عالية الخطورة أو لضبط المضاربات في سوق يعاني أصلًا من نقص السكن الميسور.
### فلوريدا: الأعاصير والتأمين يدفعان الناس إلى الهجرة
على الساحل الشرقي، في فلوريدا، تتقاطع **مواسم الأعاصير في المحيط الأطلسي** مع ارتفاع حاد في تكاليف التأمين على المنازل، لتشكّل ضغوطًا متزايدة على المقيمين. «مسح فلوريدا للمناخ» أظهر أن 36 في المئة من بين 14 ألف مشارك على مستوى الولاية إمّا غادروا بالفعل، أو يفكّرون جديًا في المغادرة جزئيًا أو كليًا بسبب مخاطر الأعاصير والفيضانات وموجات الحر الشديد.
هذا الرقم لا يعبّر فقط عن قلق نظري، بل عن **تحوّل ديموغرافي فعلي** يعيد تشكيل خريطة السكان داخل الولاية وخارجها. مدن تُوصَف بأنها “أكثر أمانًا” من ناحية المناخ تشهد ارتفاعًا في الطلب والأسعار، فيما تتراجع قيم العقار في المناطق المكشوفة للعواصف وارتفاع مستوى سطح البحر. هكذا يتحوّل تغيّر المناخ إلى محرك خفي للهجرة الداخلية، وإعادة توزيع للثروة العقارية بين مناطق خاسرة ومناطق رابحة.
### إسبانيا: حرارة تحرق القيمة… وأخرى ترفعها
في أوروبا، يقدّم السوق الإسباني نموذجًا غنيًّا بالبيانات. دراسة حديثة حلّلت بيانات البيع والإيجار في **47 عاصمة إقليمية في إسبانيا** بين 2009 و2024 لقياس أثر **الحرارة الشديدة** على القيمة العقارية. جاءت الدراسة بعد صيف اعتُبر **الأشد حرارة في تاريخ البلاد المُسجَّل**؛ حيث وصلت درجات الحرارة خلال موجة حر في 17 أغسطس إلى 45.8 درجة مئوية، واندلعت على إثره حرائق ضخمة أتت على أكثر من 380 ألف هكتار من الأراضي.
يحذّر العلماء اليوم من أن الظروف الحارة والجافة والعاصفة التي تغذّي تلك الحرائق أصبحت **أكثر تكرارًا بنحو 40 مرة، وأكثر شدّة بحوالي 30 في المئة** مقارنة بعالم بلا تغيّر مناخي. في هذا السياق، وجدت الدراسة أن كل **يوم إضافي** تتجاوز فيه الحرارة 35 درجة مئوية في إقليم ما يرتبط بانخفاض **سعر البيع** بمقدار 1.40 يورو للمتر المربع، وانخفاض **الإيجار الشهري** بحوالي 0.0059 يورو للمتر المربع في المنطقة نفسها.
مع وجود قرابة 700 ألف منزل معروض للبيع في 2024، يُترجَم ذلك إلى **خسارة سنوية تُقدَّر بـ117.6 مليون يورو** في أسعار البيع، وحوالي 500 ألف يورو في عائدات الإيجار. لكن الصورة ليست سوداء بالكامل؛ ففي **المناطق الإسبانية الأبرد من المعدّل العام**، تبيّن أن ارتفاع درجات الحرارة – ضمن حدود معيّنة – أدّى إلى **زيادة** في الأسعار: نحو 2.80 يورو للمتر المربع في أسعار البيع، و0.012 يورو للمتر المربع في الإيجارات.
هذا التباين يوضح أن تغيّر المناخ لا يضغط في اتجاه واحد. بعض المناطق تفقد جاذبيتها لتصبح أقل رغبة للسكن والاستثمار، بينما تكتسب أخرى قيمة جديدة بوصفها **“ملاذات مناخية”** أكثر اعتدالًا مقارنة بالحرارة الشديدة والحرائق والفيضانات في أقاليم أخرى.
### إنجلترا: 6.3 ملايين منزل في مرمى الفيضانات
مع ارتفاع حرارة الكوكب، يستطيع الغلاف الجوّي احتجاز كمية أكبر من بخار الماء، بنحو **7 في المئة لكل 1 درجة مئوية** إضافية من الاحترار. هذه الزيادة تعني احتمالًا أعلى لهطولات مطرية غزيرة وعواصف مطرية قصوى. في إنجلترا، يترجم ذلك إلى واقع مقلق: حوالي **6.3 مليون منزل** تقع اليوم في مناطق مهددة بالفيضانات، سواء من الأنهار أو البحر أو مياه الأمطار السطحية.
المستشارة العقارية ومالكة شركة وساطة سابقة، ريتشل أولنغتون، تصف تغيّر المناخ بأنه لم يعد “قضية بعيدة أو طويلة الأمد”، بل عامل **يؤثر مباشرة في التقييمات العقارية وسلوك المشترين** في أنحاء المملكة المتحدة. أحاديث المخاطر المناخية باتت جزءًا ثابتًا من عملية البيع والشراء، وهو أمر لم يكن حاضرًا بهذه القوة قبل عشر أو حتى خمس سنوات فقط.
تذكر أولنغتون أن من الشائع اليوم أن نجد **منزلين متشابهين تمامًا** من حيث المساحة والحالة والمواصفات، لكنهما يحصلان على **اهتمام مختلف جذريًا** لأن أحدهما يقع داخل منطقة عالية الخطورة للفيضانات أو الحرائق، بينما الآخر في منطقة أقل عرضة. المشترون يأتون الآن إلى المعاينة وهم يحملون أسئلة تفصيلية:
- يستفسرون مبكرًا عن **تكاليف التأمين** قبل التفكير في زيارة ثانية للعقار.
- يحضّر بعضهم **تقارير محلية عن المخاطر المناخية والفيضانات وتآكل السواحل** لمناقشتها مع الوكيل أو البائع.
لا تمنع هذه المخاطر الناس كليًا من الشراء، لكنها **تُبطئ القرارات** وتزيد من معدلات **فسخ الصفقات قبل إتمامها**. كثير من المبيعات التي تبدو شبه محسومة تنهار فجأة بعد أن يكتشف المشتري أن قسط التأمين باهظ إلى درجة غير محتملة، أو أن شركة التأمين أوقفت التغطية في الرمز البريدي نفسه بعد حدث مناخي عنيف سابق. هذا القدر من عدم اليقين يخلق **موجات ارتدادية** عبر “سلاسل البيع”؛ فيؤدي سقوط صفقة واحدة إلى تعطيل سلسلة كاملة من عمليات الشراء المرتبطة بها.
### سوق الإيجار في بريطانيا: انسحاب هادئ من السواحل والأنهار
سوق الإيجار بدوره ليس بمنأى عن هذه التحوّلات. كثير من المُلّاك أصبحوا يترددون في الاستثمار في عقارات قريبة من البحر أو الأنهار، خوفًا من مخاطر الفيضانات وتكاليف الصيانة المتزايدة. آخرون يفكرون في **بيع ممتلكاتهم بالكامل** بسبب التعقيدات التأمينية واشتراطات الصيانة، ما يقلّل المعروض في بعض المناطق، ويرفع الأسعار في مناطق أخرى تُعتبَر “أكثر أمانًا”. هكذا يظهر نوع جديد من الفجوات الجغرافية في أسعار الإيجار، يتغذّى على خرائط المخاطر المناخية بقدر ما يتغذّى على العرض والطلب التقليديين.
### أستراليا: خصم خفي على ثروة الأسر
في النصف الجنوبي من الكرة الأرضية، تقدّم أستراليا نموذجًا حادًّا لتأثير تغيّر المناخ على الثروة العقارية. تقرير لـ«مجلس المناخ» Climate Council كشف أن المنازل المعرضة للفيضانات في البلاد أصبحت قيمتها الإجمالية **أقل بنحو 42.2 مليار دولار أسترالي** مقارنة بما كانت ستكون عليه في غياب مخاطر الفيضانات المتصاعدة. هذه الفجوة تعبّر عن **الخصم الخفي** الذي يفرضه تغيّر المناخ على ثروة الأسر، إذ يتآكل أهم أصل يملكه كثيرون: البيت.
### التأمين: من صمّام أمان إلى نقطة ضغط
في قلب هذه الصورة العالمية، تقف **أزمة التأمين** بوصفها أحد أكثر العوامل حساسية. بحث من جامعة لوفبرا في المملكة المتحدة يشير إلى أن تغيّر المناخ يهدّد بتحويل قضية التأمين إلى **أزمة هيكلية** داخل بريطانيا وخارجها، نتيجة **الارتفاع الحاد في المطالبات** المرتبطة بالأحداث المناخية المتطرفة.
جمعية شركات التأمين البريطانية أعلنت رقمًا قياسيًا في **تعويضات أضرار الطقس على المنازل لعام 2024 بلغ 585 مليون جنيه إسترليني**، ما دفع كثيرًا من الشركات إلى إعادة حساباتها. في محاولة للسيطرة على الفاتورة، تتجه الشركات إمّا إلى **رفع أقساط التأمين بشكل كبير**، أو **الانسحاب تمامًا من بعض المناطق عالية الخطورة**. عندما يصبح التأمين باهظ الثمن أو غير متاح، تتسلسل النتائج سريعًا:
- الأسر تصبح مكشوفة أمام الخسائر، وغير قادرة على تحمّل صدمة كارثة واحدة.
- **القيم العقارية تنخفض** لأن المشترين لا يرغبون في شراء منزل لا يمكن تأمينه.
- البنوك تتشدّد في منح **القروض العقارية (الرهن)**، إذ يشترط معظمها وجود بوليصة تأمين مناسبة.
- ومع اتّساع هذه الحلقة، يزيد خطر تحوّل الأزمة من قطاع العقار إلى **أزمة مالية أوسع** تضرب النظام الائتماني بأكمله.
### العودة إلى زيلو: هل إخفاء الحقيقة يحمي السوق؟
في ضوء هذه الصورة، تبدو خطوة زيلو بإخفاء درجات المخاطر المناخية محاولة لتخفيف التوتر في سوق يعاني أصلًا من ضغوط حادّة. لكن خبراء مثل ماثيو إيبي، مؤسس ومدير «فيرست ستريت»، يحذّرون من أن إزالة هذه المعلومات لا تُلغي الخطر، بل **تنقله من مرحلة ما قبل الشراء إلى ما بعده**؛ فالأسر تكتشف بعد الفيضان أنها كان ينبغي أن تؤمّن ضد الفيضانات، أو تدرك بعد الشراء أن تأمين الحرائق في منطقتها غير متاح أو غير قابل للتحمّل ماليًا.
من هذا المنظور، يصبح الوصول إلى **معلومات مخاطر دقيقة قبل الشراء** عنصرًا أساسيًا لحماية المستهلك، لا مجرّد ميزة تسويقية. الضغوط لإزالة هذه التقييمات ترتبط بسوق عقاري متوتّر أصلًا: معروض سكني محدود، وأسعار مرتفعة، وكوارث مناخية متكرّرة، وشركات تأمين تنسحب من ولايات كاملة مثل كاليفورنيا، أو تعيد تسعير المخاطر بطريقة قاسية.
في النهاية، تغيّر المناخ يضغط على العقار من كل الاتجاهات:
- يخفض الأسعار في مناطق شديدة التعرّض للمخاطر، ويرفعها في مناطق تكتسب صفة “الملاذ المناخي الآمن”.
- يدفع الناس إلى الهجرة داخل الدول وبينها، ويعيد رسم **الخريطة السكنية** لكوكب مكتظ ومضطرب.
- يجبر شركات التأمين والبنوك على إعادة تعريف معايير **المخاطرة المقبولة**.
- ويضع البائعين والمنصّات العقارية أمام سؤال صعب: هل نواجه الحقيقة الآن، فنُضمّن المخاطر المناخية في السعر والتسويق، أم نؤجّل المواجهة ونخاطر بأزمة أعمق وأوسع في المستقبل؟
هذه ليست حكاية عن “مشكلة بيئية” على هامش الاقتصاد، بل عن **تحوّل هيكلي عميق** في الطريقة التي نفهم بها قيمة أحد أهم الأصول في حياة الناس: المنزل، بما يحمله من أمان واستقرار وذكريات، وبما يتعرّض له اليوم من اختبار وجودي على خط جبهة المناخ.