ديون الذكاء الاصطناعي: طفرة تمويل جديدة تهزّ سوق السندات العالمية

تشهد أسواق الائتمان العالمية موجة جديدة ومثيرة للجدل من **الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي**، مع انقسام واضح في طريقة تفاعل المستثمرين مع هذه الموجة بين سندات الدرجة الاستثمارية (Investment Grade) وسندات العائد المرتفع أو ما يُعرف بسندات «الخردة» (High Yield). في هذا المقال أعيد صياغة الخبر الإنجليزي بلغة عربية واضحة وبأسلوب تحليلي يناسب مدوّنة اقتصادية عربية، مع توسيع الخلفية والسياق لتوضيح ما يحدث فعلًا في سوق السندات عالميًا. --- ### انفجار في إصدارات ديون الذكاء الاصطناعي خلال هذا العام تسارعت وتيرة **إصدار السندات المرتبطة بالبنية التحتية للذكاء الاصطناعي** بشكل لافت، مع دخول عمالقة التكنولوجيا والمنافسين الجدد في سباق محموم لتمويل إنشاء مراكز بيانات ضخمة حول العالم. هذه المراكز تحتاج رؤوس أموال هائلة لشراء المعالجات المتقدمة، وبناء الشبكات، وتأمين الطاقة والتبريد، والبنية العقارية، وغير ذلك. بدل الاعتماد فقط على **الأرباح المحتجزة أو السيولة النقدية أو زيادة رأس المال عبر الأسهم**، بدأ عدد متزايد من الشركات يتجه إلى **سوق الدين**: سندات تقليدية، ديون عالية العائد، وهياكل تمويلية أكثر تعقيدًا. لكن هذا التوسع في الاقتراض لم يمر بهدوء؛ **عدد من المستثمرين أصبح أكثر توترًا** تجاه هذه الموجة، وبدأت السندات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي **تتراجع في أدائها** مقارنة ببقية سوق الائتمان الأوسع. تقرير جديد من بنك غولدمان ساكس يحاول قراءة هذه الظاهرة ويصل إلى نتيجة أساسية: - في **سوق الدرجة الاستثمارية**، المخاوف تبدو **خاصة ببعض الجهات المُصدِرة** بعينها أكثر من كونها خوفًا من القطاع كله. - في **سوق العائد المرتفع**، القلق يبدو **أوسع وأقرب إلى كونه قلقًا قطاعيًا عامًا**. --- ### انتقائية المستثمرين: «الاختيار الدقيق هو اللعبة» كريستوفر كريمر، مدير محفظة ومتداول كبير في فريق الائتمان بدرجة الاستثمار لدى «نيوبرغر برمان»، أوضح في حوار مع رويترز أن **التحول البنيوي الكبير** نحو تمويل مشاريع الذكاء الاصطناعي عبر الدَّين لدى شركات التكنولوجيا الضخمة يخلق **فرصًا للمستثمرين الانتقائيين**، لكنه في الوقت نفسه يعني أن هناك «رابحين وخاسرين» داخل نفس الموجة. يركّز كريمر على نقطة محورية في تحليل الائتمان: - ضرورة التمييز بين **الالتزامات الظاهرة على الميزانية (On-Balance Sheet)** - وبين **الالتزامات أو العقود خارج الميزانية (Off-Balance Sheet)** فالكثير من مشاريع مراكز البيانات قد تُموَّل بهياكل معقّدة، مثل شراكات، عقود تأجير طويل الأجل، أو أدوات تمويل مهيكلة، ما يجعل الصورة الحقيقية لمستوى المخاطرة أحيانًا أقل وضوحًا من مجرد قراءة سريعة للميزانية العمومية. كريمر يختصر المرحلة بقوله إن **اختيار الورقة المالية المناسبة هو «اسم اللعبة»** في هذه البيئة الجديدة، وأن فريقه متحمس للتغيّر الجاري في السوق، لأنه يخلق فروقات في التسعير يمكن استغلالها إذا كان التحليل الائتماني عميقًا بما يكفي. لم يوضح إن كانت «نيوبرغر برمان» قد اشترت فعلًا من إصدارات السندات الأخيرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي ذات التصنيف الائتماني المرتفع، واكتفى بالحديث عن المنهجية أكثر من تسليط الضوء على مراكز محددة في المحفظة. --- ### تحذيرات البنوك المركزية: استقرار مالي على المحك **بنك إنجلترا** عاد هذا الأسبوع ليحذر من أن **الدور المتنامي للديون في طفرة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي** قد يرفع من **مخاطر الاستقرار المالي** إذا حصل تصحيح حاد في تقييمات الأصول. السلطات النقدية ترى أن: - **التوسع المفرط في التمويل بالدين** لمشاريع لا تزال عوائدها الفعلية غير مؤكدة تمامًا - مع **ارتفاع تقييمات أسهم شركات الذكاء الاصطناعي بشكل مبالغ فيه** قد يشكلان معًا تركيبة خطرة: أي تراجع مفاجئ في التوقعات أو الإيرادات قد يضغط على قدرة الشركات على خدمة ديونها، ويُترجم إلى **توسّع في فروقات العائد (Spreads)** وربما اضطرابات أوسع في أسواق الائتمان. في المقابل، يشير غولدمان ساكس في مذكرته البحثية إلى أن **سوق الائتمان عمومًا ما يزال في حالة «صحة أساسية جيدة»** من حيث جودة الميزانيات وقدرة الشركات على خدمة ديونها، لكن **أداء الديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبح أضعف نسبيًا** خلال الشهر الأخير، في إشارة إلى تشكُّل تمايز داخل السوق نفسه. --- ### الفرق بين «مخاطر المُصدِر» و«مخاطر القطاع» لإيضاح الصورة، استخدم غولدمان ساكس سلالًا (Baskets) من السندات للمقارنة: - **سلة قطاعات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي** لكن بعد استبعاد الشركات التي تُعتبر «مُصدِرين مباشرين» لمشاريع الذكاء الاصطناعي (أي يتم استبعاد من يصدر الدين مباشرة لتمويل مشاريع AI). - وسلة ثانية تشمل **سندات القطاعات نفسها ولكن مع تضمين المُصدِرين المباشرين لهذه الديون**. - ثم تتم مقارنة أداء كل سلة مع **سلة مرجعية من السندات غير المالية** في السوق. النتائج في **سوق الدرجة الاستثمارية** جاءت كالتالي: - السلة التي **تستبعد** المُصدِرين المباشرين للديون المرتبطة بالذكاء الاصطناعي **تفوقت** على سلة السندات غير المالية بحوالي **15 نقطة أساس** منذ بداية 2025. - بينما السلة التي **تشمل** المُصدِرين المباشرين **تخلفت** في أدائها عن نفس السلة المرجعية من السندات غير المالية بحوالي **70 نقطة أساس** منذ بداية العام. غولدمان ساكس يقرأ هذه الأرقام على أنها إشارة قوية بأن: - المستثمرين في الدرجة الاستثمارية **لا يرفضون القطاع نفسه** (التكنولوجيا، مراكز البيانات، البنية الرقمية...) - بل يبدون **حذرًا من بعض الأسماء المحددة** التي لديها أحجام تمويل ضخمة، أو خطط توسع شديدة الطموح، أو نموذج أعمال لم يُختبر بعد بشكل كافٍ في تحقيق عوائد تغطي تلك المديونية. أما في **سوق العائد المرتفع (High Yield)**، فتبدو الصورة مختلفة: - السندات عالية العائد المرتبطة بالذكاء الاصطناعي **تحركت معظم العام بشكل متقارب** مع سلة أخرى مطابقة لها من حيث القطاع (Sector-Matched Basket). - لكن منذ أوائل نوفمبر، حدث **انفصال حاد** في الأداء: - السندات الخاصة بالمُصدِرين المباشرين في قطاع الذكاء الاصطناعي **بدأت تتراجع بشكل أوضح**. - ما يعكس أنّ المستثمرين في هذه الفئة من السوق، حيث المخاطر أعلى أصلًا، أصبحوا **أكثر حساسية لتنفيذ المشاريع والشفافية والربحية المستقبلية**. غولدمان يصف هذه الصورة بأنها **أكثر تعقيدًا** في سوق العائد المرتفع، نظرًا لصِغر عدد المُصدِرين المباشرين، وطبيعة التعرّض غير المباشر أحيانًا عبر شركات خدمات أو بنية تحتية أو مورّدين. --- ### «مخاطر التنفيذ» تُبعد بعض مديري الأصول من جهة أخرى، هناك مستثمرون اختاروا ببساطة **عدم الاقتراب من هذه الإصدارات في الوقت الحالي**. آل كاترمول، مدير محافظ دخل ثابت ومحلل أول في «ميرابو» (التي تدير أصولًا تقارب 30 مليار فرنك سويسري)، أوضح لرويترز أنه – حتى 25 نوفمبر – قررت فرقته **عدم الاستثمار في أي من السندات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي**، سواء من شريحة الدرجة الاستثمارية أو من شريحة العائد المرتفع التي طُرحت حديثًا في السوق. الأسباب التي ذكرها تتركز في نقطتين: 1. **مخاطر التنفيذ (Execution Risk)**: - المشاريع قيد الإنشاء: مراكز بيانات ضخمة، عقود توريد تقني، اتفاقيات طاقة وغيرها. - نجاح هذه المشاريع يعتمد على **تسليم المراكز في الوقت المحدد، وضمن الميزانية، وبالمواصفات المطلوبة من القدرة الحاسوبية**. - حتى الآن، يرى كاترمول أن هذا المسار ما زال «غير مُختبَر» بما يكفي، وبالتالي يصعب بناء ثقة ائتمانية طويلة الأجل فقط على الوعود والخطط. 2. **غموض العقود (Opaque Contracts)** في بعض الصفقات: - تعقيد الصيغ التعاقدية، ووجود أطراف متعددة، واعتماد نماذج مشاركة عوائد أو حوافز، يجعل من **تقييم المخاطر الفعلية أكثر صعوبة**. - في بيئة كهذه، يفضّل بعض مديري الأصول الابتعاد، أو **طلب عائد أعلى بكثير** لتعويض هذه الطبقة الإضافية من المخاطر. كاترمول يلخص موقفه بعبارة لافتة: طالما أن هذه النماذج **غير مُختبَرة** بعد، فيجب – برأيه – **تعويض المستثمرين بما يشبه عوائد الأسهم لا عوائد السندات**. أي أن المخاطر تشبه مخاطر المساهم الذي يتحمل تقلبات كبيرة، بينما طبيعة سندات الدَّين تقليديًا تقوم على **ثبات العائد ومحدودية المخاطرة**. هذا الانفصال بين المخاطرة والعائد المطلوب هو ما يجعله غير مرتاح لهذه الإصدارات في المرحلة الحالية. --- ### خلفية أوسع: لماذا كل هذا الدين أصلاً؟ لفهم عمق المشكلة، يجب النظر إلى الصورة الأشمل في تمويل طفرة الذكاء الاصطناعي عالميًا: - تقارير بحثية حديثة تقدّر أن **الإنفاق الرأسمالي (Capex) العالمي المطلوب لمراكز البيانات بين 2025 و2028 قد يتجاوز 2.9 تريليون دولار، مع فجوة تمويلية ضخمة لا تغطيها التدفقات النقدية الداخلية وحدها**. - بنوك استثمار كبرى تقدّر أن هناك **حوالي 1.5 تريليون دولار من هذه الاحتياجات لن تُغطّى إلا عبر أسواق الدين والائتمان والتمويل الخاص والهيكلي**. - بالفعل شهدنا في الأشهر الأخيرة **إصدارات ضخمة لسندات من شركات مثل ألفابت، ميتا، أوراكل وأمازون** بمبالغ تتراوح من عشرات المليارات لكل شركة، وبآجال استحقاق طويلة جدًا تصل إلى 40–50 سنة في بعض الحالات. هذا التحول من **التمويل عبر الأسهم** (بما يعني تخفيف ملكية المساهمين) إلى **التمويل عبر الدَّين** يغيّر شكل ميزانيات هذه الشركات: - يزيد من **الرافعة المالية (Leverage)** - يضغط على **التدفقات النقدية الحرة** إذا لم تكن العوائد من مشروعات الذكاء الاصطناعي سريعة بما يكفي - ويقلّص **هامش الأمان** إذا تزامن مع تباطؤ اقتصادي أو تصحيح حاد في تقييمات أسهم التكنولوجيا. في الوقت نفسه، تشير تحليلات أخرى إلى أن: - **كثيرًا من عمالقة التكنولوجيا لا يزالون في وضع «صافي نقدي»**، أي أن حجم السيولة والاستثمارات قصيرة الأجل لديهم يتجاوز إجمالي الديون القائمة. - آجال استحقاق الديون الجديدة طويلة، ما يعطي مساحة زمنية واسعة لاستيعاب الاستثمار وتحويله إلى تدفقات نقدية تشغيلية. - الطلب الاستثماري على هذه السندات ما يزال قويًا، حيث تُسجّل الإصدارات الكبرى طلبات اكتتاب أضعاف حجم الطرح، ما يساعد على إبقاء فروقات العائد ضمن نطاق معقول بالنسبة لسندات الدرجة الاستثمارية. هذه الصورة المزدوجة تفسر إلى حد كبير **التباين الواضح بين درجة الاستثمار والعائد المرتفع**: - في الدرجة الاستثمارية، النقاش يدور حول **أي الشركات تستحق تمويل مشاريعها**، وليس حول انهيار وشيك لمنظومة تمويل الذكاء الاصطناعي بأكملها. - بينما في العائد المرتفع، حيث الهوامش أصغر وهامش الخطأ أضيق، يصبح **أي تعثر في التنفيذ أو تباطؤ في الطلب سببًا كافيًا لعقاب عنيف في أسعار السندات**. --- ### ما الذي يعنيه هذا لمستثمري الدَّين؟ من زاوية مستثمر أو كاتب اقتصادي عربي يتابع هذه التطورات، يمكن تلخيص ملامح المرحلة الحالية في النقاط الآتية: - **الذكاء الاصطناعي لم يعد قصة أسهم فقط، بل أصبح قصة ديون أيضًا**: سوق الائتمان بات جزءًا أساسيًا من تمويل هذه الطفرة، من خلال سندات تقليدية وتمويلات مهيكلة وأدوات خاصة. - **الانتقائية عادت بقوة**: لم يعد بإمكان المستثمر الاعتماد على فكرة أن «كل ما هو مرتبط بالذكاء الاصطناعي سيرتفع». في سوق السندات، تختلف قدرة الشركات على خدمة الدين بشكل جذري حتى لو تشاركت في نفس «القصة التكنولوجية». - **مخاطر التركيز والاعتماد على توقّعات مستقبلية**: كثير من نماذج الأعمال الحالية تراهن على استمرار نمو الطلب على القدرة الحاسوبية (Compute) لسنوات طويلة، وعلى بقاء أسعار الخدمات أو الهوامش عند مستويات مجزية. أي خلل في هذه الفرضيات يمكن أن يضرب قدرة الشركات على سداد الديون. - **التمييز بين مخاطر القطاع ومخاطر المُصدِر** أصبح ضرورة: قد يكون القطاع نفسه واعدًا، لكن مُصدِرًا بعينه يحمل مستوى مديونية أعلى، أو يعتمد على مشروع واحد ضخم، أو يفتقر إلى سجل تاريخي في التنفيذ، فيستحق – منطقيًا – عائدًا أعلى أو ربما تجنبًا كاملًا. - **نقطة التوازن بين «دين» يشبه «سهمًا»**: عندما ترتفع درجة عدم اليقين إلى مستويات بعيدة عن النمط التقليدي لسوق السندات، يصبح السؤال: هل يحصل حامل السند على عائد يعوِّضه عن هذه المخاطر؟ إذا كانت الإجابة لا، فالمستثمرون الأكثر تحفظًا – مثل ما فعلت «ميرابو» – قد يختارون ببساطة البقاء خارج هذه الموجة، على الأقل حتى تتضح نتائج أولى المشاريع الكبرى أو تتوفر بيانات فعلية عن مدى الالتزام بالجداول الزمنية والميزانيات المعلنة. في النهاية، موجة ديون الذكاء الاصطناعي ليست مجرد خبر عابر في صفحة الأسواق، بل هي **اختبار مبكر لقدرة النظام المالي على تمويل ثورة تكنولوجية عالية الكثافة الرأسمالية، وسريعة التقادم، ومرتفعة التوقعات**. كيف سيتعامل المستثمرون مع هذا المزيج من الفرص والمخاطر، وكيف سيتوازن الخط الرفيع بين التفاؤل التكنولوجي والانضباط الائتماني، سيبقى سؤالًا مفتوحًا في أسواق المال خلال السنوات القليلة المقبلة.