طلب إيطاليا لصواريخ JASSM‑ER: تحوّل في العقيدة والتموضع داخل الناتو
يمثّل طلب إيطاليا لاقتناء صواريخ JASSM‑ER أكثر بكثير من مجرّد تحديث تقني؛ فهو يعكس قفزة نوعية في الطريقة التي تتموضع بها «الدولة الركيزة» في الجناح الجنوبي لحلف الناتو داخل ما يمكن تسميته بـ«هندسة الضربات العميقة» الجديدة للحلف.
جوهر الصفقة يتمثّل في شراء مئة صاروخ من طراز AGM‑158B/B‑2 JASSM‑ER، لكن الإخطار الرسمي الصادر عن وكالة التعاون الأمني الدفاعي الأميركية (DSCA) يوضح أنّ روما لا تقتني مجرد دفعة ذخائر، بل قدرة متكاملة على تنفيذ ضربات عميقة بعيدة المدى. فإلى جانب الصواريخ ذاتها، تشمل الصفقة تجهيزات اختبار سرّية خاصة بـJASSM، وحاويات تخزين ونقل، وأجهزة تشفير من نوع KGV‑135A، وقطع غيار ولوازم استهلاكية وملحقات، إضافة إلى دعم من نوع «الإصلاح‑والإرجاع»، وخدمات النقل، والمسوح الفنية للمواقع التي ستستضيف هذه المنظومة. كما تغطي حزمة البيع دعم نظام السلاح نفسه، وبرمجيات مصنّفة وغير مصنّفة، ومنشورات ووثائق تقنية، إلى جانب دعم هندسي وفني ولوجستي من الحكومة الأميركية والمتعاقدين معها، وعناصر أخرى من الدعم البرنامجي طويل الأمد.
تشدّد DSCA على أنّ قيمة 301 مليون دولار تمثّل السقف الأعلى المقدر للكمية والتكلفة استناداً إلى المتطلبات الأولية، بينما يُتوقَّع أن يكون المبلغ النهائي أقل بعد تثبيت التشكيلة الدقيقة التي تريدها إيطاليا، وحدود ميزانيتها، وشروط عقد البيع الذي سيُبرم لاحقاً. عملياً، يعني ذلك أنّ المخططين العسكريين في روما يضمنون لأنفسهم ولوجاً إلى منظومة أميركية ناضجة للضربات العميقة مع سقف مالي معروف، ولكن مع قدر من المرونة في حجم ومكوّنات القدرة النهائية.
في تبريرها العلني للصفقة، تستخدم DSCA الصيغة المعهودة، لكنها في هذه الحالة كاشفة لبُنية القوة الإيطالية. فهي توضح أنّ صواريخ JASSM‑ER مخصّصة للاستخدام على الطائرات المقاتلة الإيطالية، بما في ذلك – ولكن ليس حصراً – مقاتلات F‑35. كما تؤكد أنّ إيطاليا «لن تواجه صعوبة» في استيعاب هذه المعدات والخدمات ضمن قواتها المسلحة. بقراءة ذلك على ضوء تشكيلات القوات الجوية الإيطالية الحالية، يبدو الأمر كأنه إقرار بخريطة طريق تجعل من F‑35A وF‑35B حاملتي الضربة العميقة الرئيسيتين، مع ترك هامش سياسي وتقني لإمكانية دمج الصاروخ مستقبلاً على طائرات يوروفايتر تايفون أو منصات إيطالية أخرى إذا رأت روما أن الكلفة والعائد العملياتي يبرّران ذلك. في الوقت نفسه، يعكس الخطاب الأميركي ثقة واضحة في منظومات التدريب والأمن والصيانة الإيطالية، التي باتت مهيّأة للتعامل مع أنظمة أميركية معقّدة ومتصلة شبكياً، ما يسمح بإدخال سلاح شبحي بعيد المدى من دون الحاجة إلى توسّع مربك في البنى التحتية أو القوى البشرية.
من الزاوية العملياتية، تبدو النقلة أهم بكثير مما توحي به الأرقام وحدها. فـJASSM‑ER صاروخ كروز جوّال منخفض البصمة الرادارية يُطلق من الجو، صُمّم خصيصاً لاختراق منظومات الدفاع الجوي المتكاملة الحديثة، وحمل رأس حربي ثقيل نافذ ضد أهداف شديدة التحصين وعالية القيمة، مع إبقاء الطائرة الحاملة خارج معظم نطاقات اشتباك الدفاعات الأرضية. طوال ما يقرب من عقدين، اعتمدت القدرة الإيطالية على الهجوم البري بعيد المدى أساساً على صواريخ Storm Shadow المحمولة على طائرات تورنادو الهجومية، وهي منظومة يجري الاستغناء عنها تدريجياً مع إكمال سلاح الجو الإيطالي انتقاله إلى أسطول مكوّن في معظمه من F‑35A وF‑35B.
بدمج JASSM‑ER مع مقاتلات الجيل الخامس، وربما مع منصات أخرى لاحقاً، تنتقل إيطاليا من قدرة عميقة تقليدية محدودة و«متخصّصة» إلى منظومة أكثر بقاءً وارتباطاً شبكياً، قادرة على العمل في أجواء عالية التنازع، والتكامل مع بنى الاستطلاع والاستخبارات والسيطرة (ISR/C2) لدى الحلفاء، وتهديد بنى تحتية استراتيجية، وعقد دفاع جوي، ومراكز قيادة على مسافات تتجاوز الحدود المباشرة لحلف الناتو. وتلاحظ DSCA أن إيطاليا متوقَّع أن تدمج وتديم هذه المعدات والخدمات من دون صعوبات كبرى، وهو ما يعكس مستوى التحديث والتشغيل البيني الذي بلغته القوات الجوية الإيطالية بالفعل.
جيوسياسياً، تسهم هذه الصفقة في رسم هندسة ردع جديدة على القوسين الجنوبي والشرقي للناتو، حتى وإن كانت واشنطن تشدّد رسمياً على أن الحزمة لن تغيّر التوازن العسكري الأساسي في المنطقة. من القواعد الموجودة على الأراضي الإيطالية، أو من طائرات يتم نشرها للأمام عند الضرورة، تمنح طائرات F‑35 المجهّزة بـJASSM‑ER صانعي القرار في روما وبروكسل خيارات تقع دون العتبة النووية بكثير، لكن فوق مستوى القوة الجوية التكتيكية التقليدية. في أي أزمة في البحر المتوسط أو شمال أفريقيا أو الشرق الأوسط الأوسع، ستتمكن إيطاليا من تهديد مراكز قيادة محصّنة، أو عقد لوجستية، أو منظومات منع/منع دخول (A2/AD) من دون تعريض أطقمها لمخاطر اختراق شبكات دفاع جوي كثيفة ومتعدّدة الطبقات.
وفي أي سيناريو يشمل روسيا أو خصوماً متقدّمين آخرين، تستطيع الطائرات الإيطالية أن تشارك في حملات الضربات العميقة للحلف بالتنسيق مع شركاء أوروبيين شماليين يتجهون بدورهم إلى اقتناء JASSM‑ER، بما يخلق طبقة أوروبية فعلية للضربات العميقة تكمل معماريات الدفاع الصاروخي التي يجري نشرها في وسط وشمال أوروبا. النتيجة العامة هي جعل الجناح الجنوبي للحلف أقل قابلية للتنبؤ وأكثر قدرة على التحمّل في نظر أي طرف يفكّر في التصعيد القسري أو في اختبار عزيمة الناتو.
على المستوى السياسي‑الصناعي, تتجاوز أبعاد الصفقة مجرد ذكر أن شركة لوكهيد مارتن في أورلاندو، فلوريدا، هي المتعاقد الرئيسي، وأنه لم تُحدَّد حتى الآن ترتيبات تعويض صناعي (Offsets)، مع بقاء أي حزم تعويض محتملة رهناً بالتفاوض المباشر بين الشركة والزبون الإيطالي. فمن خلال إسناد واحدة من أكثر قدراتها الهجومية حساسية إلى عائلة صواريخ أميركية، تعمّق إيطاليا ارتهانها للذخائر والبرمجيات وسلاسل الإسناد الأميركية في لحظة تناقش فيها أوروبا بقوة مفهومي «الاستقلالية الاستراتيجية» والحلول الأوروبية الأصيلة للضربات العميقة. في المقابل، تضمن روما لنفسها الوصول إلى منظومة خاضعة لتحديث مستمر لصالح القوات الأميركية وأهم حلفائها، مع تحسينات مخطَّط لها في مجالات الاتصال، والتوجيه والاستهداف، والبقاء، تخضع كلّها لمنظومة ضبط التصدير والهياكل السياسية‑العسكرية في وزارة الخارجية الأميركية.
تشير DSCA أيضاً إلى أنّ تنفيذ الصفقة المقترحة لا يتطلّب نشر مزيد من العاملين الأميركيين، حكوميين أو متعاقدين، على الأراضي الإيطالية، ولن يؤثر سلباً في جاهزية الدفاع الأميركية، بما يقدِّم الصفقة للرأي العام الأميركي كـ«تعزيز منخفض البصمة ومنخفض المخاطر» لحليف، لا كتحويل لموارد حرجة بعيداً عن القوات الأميركية. هذا التوازن بين تشابك أوثق في المجال التسليحي بين واشنطن وروما من جهة، وحضور أميركي محدود بصرياً ومادياً على الأرض الإيطالية من جهة أخرى، يُحتمل أن يكون ذا وزن سياسي في العاصمتين.
في ضوء ما سبق، يبدو أنّ طلب إيطاليا اقتناء JASSM‑ER يتجاوز كونه تحديثاً تقنياً؛ فهو تحوّل في العقيدة والتموضع داخل الناتو. فبمخزون «متواضع» نسبياً من مئة صاروخ فقط، تشتري روما خيارات استراتيجية لا مجرد عتاد: دوراً أكبر في تخطيط حملات الضربات لدى الحلف، صوتاً أثقل في النقاشات المتعلقة بالجبهتين الشرقية والجنوبية، وقدرة مقنعة على الرد على الإكراه والتهديد بضربات دقيقة بعيدة المدى، بدلاً من الاكتفاء بردود رمزية أو محدودة الأثر.
وتكشف هذه الحالة أيضاً عن اتجاه أوسع في أوروبا أظهرته الحروب والصراعات الأخيرة: فالقوى المتوسطة تبحث في الوقت نفسه عن دفاع جوي‑صاروخي قوي وعن قدرة على إصابة عمق الخصم، بينما لا يزال كثير منها يتجه أولاً إلى الحلول الأميركية عندما يكون عنصر الوقت، وإدارة المخاطر التقنية والسياسية، محدوداً. الطريقة التي ستختار بها إيطاليا دمج هذه القدرة الجديدة، والتدرّب عليها، وربما توسيعها خلال العقد المقبل ستكون مؤشّراً مهمّاً على ميزان الطموح الدفاعي الأوروبي مقابل استمرار الاعتماد عبر الأطلسي في مجال الضربات العميقة، وعلى شكل الدور الذي ستلعبه روما في صياغة هذا الميزان داخل بنية الأمن الأوروبي الأطلسي.