# عقود شراء الكهرباء الطويلة الأمد: عائق أمام التحول للطاقة النظيفة في آسيا
تواجه منطقة آسيا تحديات هيكلية كبيرة في الانتقال نحو مصادر الطاقة المتجددة، وفي القلب من هذه التحديات تكمن **عقود شراء الكهرباء طويلة الأمد مع محطات الفحم**. هذه العقود تخلق حالة من الجمود الاقتصادي والسياسي تجعل من الصعب على الشركات والحكومات التحرك نحو بدائل نظيفة حتى عندما تكون متاحة وأرخص من الناحية الاقتصادية.
## واقع الطلب المتزايد على الكهرباء
شهدت منطقة جنوب شرق آسيا نموًا في الطلب على الكهرباء بنسبة **تجاوزت 7% في عام 2024**، وهو ما يقارب ضعف المعدل العالمي. يعود هذا النمو المتسارع إلى التحضر السريع ونمو السكان والتصنيع وارتفاع مستويات المعيشة. بيد أن هذا الطلب المتزايد يتم تلبيته بشكل أساسي من خلال مصادر تقليدية، مما يعمق الاعتماد على الفحم والغاز المستوردين بدلاً من الاستفادة من الموارد المتجددة المتاحة في المنطقة.
## تصاعد مساهمة الفحم في المزيج الكهربائي
يظهر الفارق بين آسيا والعالم بوضوح في بيانات إنتاج الكهرباء. ارتفعت مساهمة الفحم في جنوب شرق آسيا من **35% إلى حوالي 45%** خلال العقد الأخير، بينما تراجع المتوسط العالمي من 39% إلى نحو 34%. وفي المقابل، لا تتجاوز حصة الطاقة النظيفة في هذا الإقليم **26%** مقارنة بـ **41%** على المستوى العالمي، ما يدل على تباطؤ واضح في الانتقال نحو الطاقة المتجددة.
## آليات تأخير التحول نحو الطاقة النظيفة
### الاستقرار المالي الملزم
تضمن عقود شراء الكهرباء الطويلة لأصحاب محطات الفحم **دخلًا ماليًا مستقرًا ووظائف ثابتة** للعمال. هذا الاستقرار يجعل من الصعب على صناع القرار السياسي اتخاذ خطوات للتحول السريع، لأن أي قرار بهذا الشأن ينطوي على تكاليف اقتصادية واجتماعية ظاهرة وفورية.
### التهديد بالغرامات الضخمة
إذا قررت الشبكات الكهربائية خرق هذه العقود، ستواجه **غرامات مالية مرتفعة** يرتبط حجمها بنوع العقد ومدى الخرق. هذا يزيد من كلفة التحول للطاقة المتجددة على القطاع ويجعل الخروج من الالتزامات العقودية مكلفًا للغاية.
### عدم التوافق مع احتياجات الشبكة الحديثة
كثير من هذه العقود **"غير ملائمة لمتطلبات شبكة كهربائية حديثة ومتداخلة مع مصادر متجددة"**. الشبكات الكهربائية الحديثة تتطلب مرونة وقابلية للتكيف مع مصادر متغيرة كالشمس والرياح، بينما تفرض العقود طويلة الأمد استمرارًا في الاعتماد على مصادر ثابتة كالفحم.
## الحالات الإقليمية
### الصين
رغم **التوسع الكبير** في توليد الكهرباء من المصادر النظيفة، ظل الطلب على الفحم مرتفعًا جدًا. في أكتوبر 2024، **ارتفعت إنتاجية الكهرباء من الفحم والغاز بنسبة 7.3%** عن السنة السابقة. تواجه الشبكة الكهربائية تحديًا في أن عقود الفحم طويلة الأمد **تحجز قدرًا كبيرًا من القدرة الإنتاجية**، مما يدفع الشبكات أحيانًا لتقليص الاعتماد على الشمس والرياح حتى عندما تكون متاحة.
### الهند
يشهد السوق الهندي **اتجاهًا قويًا** لعقود شراء كهرباء طويلة الأمد مع مشغلي محطات الفحم. التخطيط المستقبلي للشركات الموزعة للكهرباء **مضطر لإعادة النظر** في العقود وجعلها أكثر مرونة. كما أن استمرار التخطيط لعقود فحم جديدة يهدد بخلق **"أصول عالقة"** أي استثمارات ضخمة قد تفقد قيمتها مع توسع الطاقة النظيفة.
### دول آسيوية أخرى
أبلغت اقتصادات كبرى مثل اليابان وأستراليا عن **ازدياد القيود** على استخدام الطاقة المتجددة، ما يعكس استمرار الهيمنة النسبية للفحم في سياسات الكهرباء.
## الفرصة الضائعة: تراجع الطاقة المتجددة رغم انخفاض التكاليف
في المفارقة الكبرى، انخفضت **تكاليف الطاقة الشمسية بنسبة 90% منذ عام 2010**، وأصبحت الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من بين أكثر مصادر توليد الكهرباء الجديدة **تنافسية من حيث التكلفة**. تمتلك المنطقة **إمكانات تقنية تصل إلى 20 تيراواط** من الطاقة المتجددة المتغيرة، أي ما يعادل **55 مثل إجمالي طاقة التوليد الحالية**.
رغم هذه البيانات، فإن عقود الفحم الملزمة تحول دون الاستفادة من هذه الفرصة الاقتصادية والبيئية. التخصيص حتى **بجزء بسيط من الموارد المتجددة** من شأنه أن **يعزز استقلالية الطاقة، ويخفض تكاليف الاستيراد، ويزيد من الاستدامة**.
## دور اتفاقيات شراء الطاقة الحديثة
في المقابل، أثبتت **اتفاقيات شراء الطاقة (PPAs) للطاقة المتجددة** فعاليتها. توفر هذه العقود **تحكمًا أكبر في عادات استهلاك الطاقة** وتوفيرًا كبيرًا في التكاليف وضمانات للتكلفة على المدى الطويل. كما أن استخدام شهادات الطاقة المتجددة المرتبطة بهذه الاتفاقيات يدعم أهداف المنظمات المتعلقة بالطاقة النظيفة والاستدامة. بالنسبة لموردي الطاقة، توفر هذه الاتفاقيات **ضمانات تدفق نقدي طويل الأمد** أساسية لمواصلة تطوير مشروعات الطاقة المتجددة.
## السبل المتاحة للتغلب على العقبات
لا يقتصر الحل على خيار واحد بل يتطلب **نهجًا متعددة الأوجه**:
**إعادة التفاوض والمرونة**: يجب إعادة التفاوض على بنود العقود الطويلة مع تحقيق مزيد من المرونة في التوجه نحو الطاقة النظيفة، مما يسمح بدمج تدريجي للمصادر المتجددة.
**الدعم الحكومي والتشريعي**: ضرورة توفير دعم حكومي لتعويض المخاطر المالية لغرامات كسر العقود أو لتحفيز الاستثمارات في الطاقة المتجددة بشكل مباشر.
**التعاون الإقليمي والدولي**: تمويل مشاريع الطاقة النظيفة وتوفير التدريب للعاملين في قطاع الفحم للانتقال إلى وظائف جديدة في الطاقة النظيفة.
## الدروس للسياق التونسي والعربي
هذا النموذج الآسيوي يشير إلى **ضرورة حتمية** أن يكون تصميم عقود شراء الكهرباء مرنًا ويلبي احتياجات الانتقال للطاقة النظيفة. يجب أن يرافق ذلك **تشريعات وطنية** لمواجهة أصول الطاقة الأحفورية العالقة وضمان العدالة في التحول للطاقة المتجددة. تجنب خلق التزامات تؤخر التحول الضروري وفق أهداف المناخ العالمية ضروري، مع ضمان العدالة للعمال والشركات التي قد تتضرر من هذه التحولات.
---
**الخلاصة**: عقود شراء الكهرباء الطويلة الأمد مع محطات الفحم تشكل **عقبة هيكلية حقيقية** أمام تسريع التحول إلى الطاقة النظيفة في آسيا. هذا الوضع يفرض الحاجة الملحة لإصلاح تشريعي وتمويلي عاجل يدعم المرونة والانتقال العادل. بدون هذه الإصلاحات، ستبقى دورة الفحم قائمة رغم وفرة البدائل النظيفة والمتجددة التي أصبحت أرخص وأكثر كفاءة.